مقالات

المتهم البريء للكاتبة الإعلامية: موضي بنت سليمان

قال الإمام الشافعي:
«نعيبُ زمانَنا والعيبُ فينا
وما لزمانِنا عيبٌ سوانا»

منذ القدم، والإنسان يفتش عن خصمٍ يعلق عليه ما يثقل روحه. وحين تضيق به الإجابات، يجد في الزمن متهمًا مثاليًا؛ واسعًا بما يكفي ليحمل الخسائر كلها، وصامتًا بما يكفي لئلا يدافع عن نفسه.

غير أن أكثر التهم شيوعًا ليست بالضرورة أكثرها عدلًا.

فالزمن لا ينسج القرارات، ولا يزرع التردد، ولا يدفع أحدًا إلى طريق دون آخر. إنه يمضي على وتيرته ذاتها، لا يسرع لأحد، ولا يتباطأ لأحد. وما يتغير حقًا ليس الأيام التي نعبرها، بل الإنسان الذي يعبر خلالها.

ولهذا لا تصنع الأعوام الفارق بين البشر بقدر ما تصنعه مواقفهم منها. فكم من تجربة واحدة خرج منها إنسان أكثر اتساعًا، بينما خرج منها آخر أكثر انكسارًا. ليس لأن الحدث كان مختلفًا، بل لأن كلًّا منهما منحه معنى مختلفًا.

فالإنسان لا يعيش الأحداث كما هي، بل كما يراها. وما يؤلمه أحيانًا ليس ما وقع بالفعل، بل الصورة التي بناها عنه في داخله.

ومن هنا تبدأ أكثر الحيل خفاءً؛ إذ تميل النفس إلى تخفيف وطأة الحقيقة بإزاحة مركز المسؤولية بعيدًا عنها. فتغدو الظروف سببًا لكل تعثر، والآخرون سببًا لكل خيبة، والزمن سببًا لكل ما لم يكتمل.

لكن الحقيقة تبقى في مكانها، مهما تغيّرت الروايات.

وقد لخص القرآن هذه الحقيقة في آية بالغة العمق، حين قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

فليست المعضلة الكبرى فيما يصيب الإنسان، بل فيما يغيب عنه وهو يمر بما أصابه. ذلك أن بعض الخسائر تبدأ قبل وقوعها بزمن طويل؛ تبدأ حين يُؤجَّل القرار الصحيح، أو يُهمَل التنبيه الأول، أو تُترك الحقيقة الصغيرة حتى تكبر في الظل.

وحين ينظر الإنسان إلى حياته من هذه الزاوية، تتغير الأسئلة كلها.

فبدلًا من أن يسأل: لماذا حدث لي هذا؟

يصبح السؤال الأعمق: ماذا علمني هذا؟ وأين كان موقفي منه؟ وما الذي كان يمكن أن أفعله بصورة مختلفة؟

وهنا ينتقل الوعي من دائرة الشكوى إلى دائرة الفهم، ومن البحث عن المذنب إلى البحث عن المعنى.

عندها فقط تتبدل صورة الأحداث. فلا تعود مجرد وقائع مرّت وانتهت، بل مرايا تكشف ما كان مستترًا في الداخل؛ مقدار النضج، وعمق البصيرة، وصدق الإنسان مع نفسه.

ومع كل مواجهة صادقة، يفقد الزمن موقعه القديم في قفص الاتهام.

فليس هو من أغلق الأبواب، ولا من أضاع الفرص، ولا من أخّر الخطوات. لقد كان حاضرًا كما هو مع الجميع، لكن كل إنسان كتب حكايته بالطريقة التي اختارها، أو بالطريقة التي سمح لها أن تُكتب عنه.

ويبقى الزمن، رغم كل ما نُلقيه على عاتقه، بريئًا على الدوام. يمضي في صمته المعتاد، لا يحمل وزر أحد، ولا يبرر ما يُنسب إليه.

أما الإنسان، فسيكتشف في نهاية المطاف أن أكثر المعارك التي خاضها مع الحياة، لم تكن إلا معركة مؤجلة مع ذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى