
ما خلأت القصواء … بقلم الكاتب علي ابو مالح
كم من علاقةٍ انتهت، وكم من قلبٍ امتلأ حزنًا، وكم من إنسانٍ عاش سنواتٍ من القطيعة…
ليس بسبب الحقيقة… بل بسبب التفسير.
رسالةٌ لم يُرد عليها، فقال: تجاهلني.
كلمةٌ لم تعجبه، فقال: يقصدني.
بابٌ أُغلق، فقال: انتهى كل شيء.
ثم بنى على هذا التفسير مشاعر، ومواقف، وقرارات… ليكتشف بعد مدة أن الحقيقة كانت شيئًا آخر.
في صلح الحديبية، بركت ناقة النبي ﷺ، فقال بعض الصحابة:
خلأت القصواء.
كان هذا أول تفسيرٍ للمشهد.
ولو انتهى الأمر عند هذا التفسير، لاستقر في النفوس أن الناقة هي سبب التوقف.
لكن النبي ﷺ صحح التفسير قبل أن يبين السبب، فقال:
«ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابسُ الفيل.»
ما أعظم هذا المنهج!
فأول ما صححه النبي ﷺ لم يكن الموقف…
بل تفسير الموقف.
ولعل كثيرًا من خلافاتنا اليوم لم تبدأ بإساءةٍ حقيقية، بل بتفسيرٍ متعجل.
نقرأ كلمةً بغير معناها.
ونفسر موقفًا قبل أن نعرف سببه.
ونبني على أول خاطرٍ يمر في أذهاننا أحكامًا قد تهدم علاقةً، أو تظلم إنسانًا، أو تحملنا همًّا لم يكن له وجود.
بل حتى مع أقدار الله…
قد نظن أن بابًا أُغلق في وجوهنا، ثم تمضي الأيام لنكتشف أنه كان باب نجاة، وأن الخير كان ينتظرنا في طريقٍ آخر.
منذ أن قرأت هذا الحديث…
لم أعد أراه موقفًا من الحديبية فحسب، بل منهجًا أحتاجه كلما التبس عليّ أمر، أو تغيّر عليّ إنسان، أو أُغلق أمامي باب.
فقد لا تكون الحقيقة كما بدت لك… ولا كما بدت لي.
«ما خلأت القصواء… ولكن حبسها حابسُ الفيل.»
:::



