مقالات

‏”من منا لا يشتاق إلى لقاء معلميه الأوائل وصُناع بداياته” … بقلم الإعلامي محمد آل فيه ؟

من منا لا يرجو أن تجمعه الدنيا، بعد أن شق طريقه في دروبها، بمعلميه الأوائل الذين أسسوا فيه أول حرف، وأيقظوا في عقله أول سؤال، ووضعوا في يده الصغيرة مفاتيح الطريق؟
خمسة وثلاثون عامًا مضت منذ كنا نجلس على مقاعد الدراسة، نحمل دفاترنا تحت أذرعنا، وننظر إلى معلمينا بعين الطفل الذي يرى في معلمه هيبة الأب، وسعة العالم، ومصدر المعرفة التي لا تنفد، كنا نظن يومها أن المدرسة هي الدنيا كلها، وأن جرس الحصة هو الذي يضبط إيقاع الحياة، وأن السبورة لا تمحو الكلمات فقط، بل تكتب في أرواحنا ما يبقى إلى الأبد.
مرت الأعوام، وتفرقت بنا الطرق، وكبر الصغار، وأصبح لكل واحد منا عالمه وهمومه ومسؤولياته، وتبدلت ملامح المدن، وتغيرت وسائل التواصل، وغابت أسماء كثيرة خلف زحام الأيام، لكن صورة واحدة نشرها معلمي الأول الأستاذ ظافر بن حسن العمري – عبر حسابه في مواقع التواصل الإجتماعي-، كانت كفيلة بأن تعيد عقارب الذاكرة إلى الوراء، وتفتح في القلب نافذة ظننت أن السنين أغلقتها إلى الأبد، صورة قديمة لصف دراسي، ووجوه صغيرة ازدحمت فيها البراءة، وملامح لم تمسها بعد مشاغل الحياة، وفيها يقف معلم بين طلابه شامخًا، يحمل رسالته بإخلاص، ويزرع فيهم ما لا يدركون قيمته إلا بعد أن يكبروا.

ومن المفارقات العجيبة أن معلمي هذا هو صاحب حضور مجتمعي بارز، وشاعر مبدع، ظللت سنوات طويلة أتابع نتاجه الأدبي، وأقرأ قصائده، وأتأمل ما يكتبه من نصوص تنبض بالحكمة والجمال، دون أن يخطر ببالي لحظة واحدة أن هذا الصوت الذي ألفته، وهذا الاسم الذي تابعته بإعجاب، هو ذاته معلمي في سنواتي الأولى من المرحلة الابتدائية.
كنت أعرف الشاعر، وأجهل أنني عرفت المعلم قبله؛ أتابع كلماته وهو يطل على الناس من منابر الأدب والمجتمع، ولا أعلم أنني كنت يومًا أحد أولئك الصغار الذين جلسوا أمامه، وتعلموا على يديه البدايات الأولى للحرف والمعرفة، وحين قام بعد تلك السنوات بنشر صورة له وهو في داخل الفصل
وحين نشر بعد تلك السنوات صورة له داخل الفصل، تحيط به وجوه طلابه الصغار، توقفت أمامها طويلًا، كأنني لا أنظر إلى صورة قديمة، بل إلى نافذة فُتحت فجأة على جزء بعيد من عمري، وأخذت أتأمل الملامح واحدًا واحدًا، وأفتش بين الوجوه عن الطفل الذي كنته، فأنا على يقين بأنني كنت يومًا إلى جوار أولئك الصغار، وأحد طلاب ذلك الفصل، غير أن الذاكرة لم تسعفني في معرفة ملامحي بينهم، أو أين كان مقعدي، فقد غيّرت الأعوام تفاصيل الوجوه، وأبقت في القلب شعورًا غامضًا بالألفة والانتماء. ومع ذلك، كان ثمة شيء في الصورة يقول لي إنني أنتمي إليها، وإن جزءًا من طفولتي ما زال ساكنًا بين تلك المقاعد، ينتظر من يوقظه بعد خمسة وثلاثين عامًا، وقد كان؛ لقد بحثت عن رقمه وتواصلت معه، وما أرهف قلب الإنسان حين يسمع معلمه يناديه باسمه بعد كل هذه الأعوام، ففي تلك اللحظة تتساقط عنه ألقابه ومناصبه وتجارب عمره، ويعود طالبًا صغيرًا يقف بأدب أمام رجل كان له فضل في تكوينه، ليدرك حينها أن بعض العلاقات لا تقاس بطول اللقاء، بل بعمق الأثر، وأن المعلم الحقيقي لا يغادر حياة طلابه بانتهاء العام الدراسي، وإنما يبقى في لغتهم، وفي أخلاقهم، وفي اختياراتهم، وفي الطريقة التي ينظرون بها إلى العالم.

إنها مصادفة تحمل من الدهشة بقدر ما تحمل من الامتنان، فقد كنت أتابع إبداعه دون أن أعرف أن أول أمرِ يربطني به لم يبدأ من قصيدة قرأتها، ولا من مناسبة حضرها، بل من فصل صغير، ومقعد دراسي، وطفل وقف أمام معلمه في سنواته الأولى يتعلم منه أول أبجديات الطريق، فلم أشعر أنني ألتقي أشخاصًا غابوا كل هذه المدة، بل شعرت أنني أفتح باب فصل قديم ظل مواربًا في داخلي، عاد صوت النداء، ورائحة الكتب، وصفوف الصباح، وأسماء الزملاء، وعادت معها طفولة ظننت أن الأيام أخذتها، فإذا بها محفوظة في نبرة صوت، أو صورة قديمة، أو كلمة حانية من معلم لم ينس طلابه.
استوصوا بالمعلمين خيراً :-
للمعلمين فضل لا تحيط به عبارات الشكر، فهم الذين منحونا من أعمارهم لنبدأ أعمارنا، وأضاءوا لنا أول الطريق قبل أن يعرفوا إلى أين سنصل، ربما لم نكن نعي ونحن صغار قيمة صبرهم، ولا حجم ما كانوا يحملونه من أمانة، لكننا حين كبرنا أدركنا أن وراء كل كلمة أحسنّا كتابتها يدًا علمتنا، ووراء كل نجاح تحقق دعوة معلم آمن بنا قبل أن نؤمن بأنفسنا، لقد كان تواصلي مع معلمي بعد خمسة وثلاثين عامًا لقاءً بين زمنين: زمن البراءة والبدايات، وزمن النضج والامتنان، وبين الزمنين بقي الوفاء جسرًا لا تهدمه السنون، تحدثنا على عجل وعلى أمل اللقاء -بمشيئة الله- في قادم الأيام، فيا أيها المعلمون الأوائل، قد تتغير الوجوه، وتبيض الشعور، لكن جميلكم لا يشيخ، وأثركم لا يغيب، فأنتم البداية التي لا ننساها، والصفحة الأولى في كتاب العمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى