
“الإجازة” … حين يصبح الوقت استثمارًا لا استهلاكًا …. بقلم الكاتب عبدالله بن عقلاء العزاره كوتش ومستشار في العلاقات الأسريه
ليست الإجازة الدراسية مجرد توقف عن الدراسة بل هي امتحان من نوع آخر؛ امتحان لقدرة الأسرة على استثمار الوقت واختبار لوعي الوالدين في توجيه طاقات الأبناء نحو ما يبني شخصياتهم ويصنع مستقبلهم. والسؤال الحقيقي ليس: كيف نقضي الإجازة؟ بل: ماذا سنحصد منها بعد انتهائها؟
فالوقت هو الثروة الوحيدة التي يتساوى فيها الجميع، غير أن الفارق بين الناجحين وغيرهم يكمن في كيفية استثماره. والإجازة قد تكون نقطة انطلاق نحو الإبداع والتميز، وقد تتحول إلى أيام تذروها الرياح، لا يبقى منها سوى ذكريات عابرة وساعات مهدرة.
ومما يدعو إلى التأمل أن بعض الأسر تختزل الإجازة في السهر الطويل، والنوم المفرط، والانشغال بالشاشات، حتى تصبح الأيام نسخة متكررة لا تحمل إنجازًا ولا تضيف خبرة. ومع أن الترفيه حاجة فطرية، فإن الإفراط فيه يحوّله من وسيلة للراحة إلى وسيلة لاستهلاك العمر وإهدار الطاقات.
إن الإجازة هي المدرسة التي تُبنى فيها المهارات، وتُكتشف فيها المواهب، وتُغرس فيها القيم، بعيدًا عن الاختبارات والواجبات الدراسية. فهي فرصة ليتعلم الأبناء لغة جديدة، أو يطوروا مهارة تقنية، أو يمارسوا رياضة تعزز صحتهم، أو يقرؤوا كتبًا توسع مداركهم، أو يحفظوا شيئًا من القرآن الكريم، أو يشاركوا في عمل تطوعي يرسخ في نفوسهم قيمة العطاء والانتماء للمجتمع.
والأجمل من اكتساب مهارة جديدة، تنمية المهارات الكامنة التي يمتلكها الأبناء أصلًا؛ فالموهبة التي تجد التشجيع والتدريب تزدهر، أما التي تُهمل فإنها تذبل مع مرور الأيام. وكثير من المبدعين كانت بداياتهم في إجازة استثمروا فيها وقتهم، فكانت نقطة تحول في حياتهم.
ولا يعني استثمار الإجازة أن تتحول إلى جدول صارم يخلو من المتعة، بل المطلوب هو التوازن. فالنفس تحتاج إلى الراحة كما تحتاج إلى الإنجاز، ويحتاج الأبناء إلى اللعب كما يحتاجون إلى التعلم، وإلى الرحلات الأسرية كما يحتاجون إلى تحمل المسؤولية. فالإجازة الناجحة هي التي توازن بين المتعة والفائدة، وبين الترفيه وبناء الشخصية.
ومن أسمى المكاسب التي يمكن أن تحققها الأسرة في هذه الفترة غرس روح المسؤولية في الأبناء، بإشراكهم في أعمال المنزل، وتعويدهم على الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، والمبادرة، والعمل الجماعي، والتخطيط ليومهم. فهذه المهارات الحياتية لا تقل أهمية عن التحصيل الدراسي، بل قد تكون أكثر أثرًا في مستقبلهم.
كما أن الإجازة فرصة ثمينة لتعزيز الروابط الأسرية التي أرهقتها مشاغل العام الدراسي. فالجلوس حول مائدة واحدة، والقراءة الجماعية، والحوار، والرحلات الهادفة، وممارسة الأنشطة المشتركة، تصنع ذكريات دافئة، وتبني جسورًا من الثقة والمحبة بين الآباء والأبناء، وهي استثمارات تربوية تبقى آثارها سنوات طويلة.
إن أبناءنا لن يتذكروا عدد الساعات التي قضوها أمام الشاشات، لكنهم سيتذكرون كتابًا غيّر طريقة تفكيرهم، ومهارة فتحت لهم آفاقًا جديدة، ووالدًا منحهم وقته، ووالدة زرعت فيهم الثقة، وأسرة آمنت بقدراتهم وشجعت أحلامهم.
فلنجعل من الإجازة موسمًا لصناعة الإنسان، لا موسمًا لاستهلاك الوقت. ولنتعامل مع كل يوم فيها على أنه فرصة لا تتكرر؛ فكل ساعة تُستثمر في علم، أو مهارة، أو قيمة، أو عبادة، أو تجربة نافعة، هي لبنة في بناء مستقبل أبنائنا.
فالإجازة لا تُقاس بعدد أيامها، بل بحجم الأثر الذي تتركه في النفوس. ومن أحسن استثمارها اليوم، حصد ثمارها غدًا، وأسهم في إعداد جيلٍ واعٍ، واثقٍ، قادرٍ على صناعة مستقبله وخدمة وطنه ومجتمعه.



