
القلم. صديقي الذي لم يرحل للكاتب سعود السحيمي
منذ أن رحل الذين كانت أرواحهم تسكن تفاصيل أيامي. اكتشفت أن الغياب لا يترك فراغا فقط انما يترك مقعدا شاغرا في القلب. مقعدا لا يجلس عليه أحد بسهولة. وحين ازدحمت بي الذكريات وتعثر الكلام في حنجرتي. وجدت القلم جالسا هناك ينتظرني بصمت.
لم يكن القلم يوما أداة أكتب بها. انما كان صديقا جاء متاخرا ليبقى طويلا.
كلما ضاقت بي الحياة فتح لي صدره من ورق. وكلما أثقلتني الكلمات التي لا أستطيع قولها للناس منحني مساحة لا يحاكم فيها دموعي ولا يفسر صمتي. كان يصغي إلي كما لا يصغي أحد. ويحفظ أسراري كما لو كانت أسراره.
يا صديقى. أعرف أنني أقسو عليك كثيرا.
أقبض عليك بعنف حين يشتد الألم. وأغرسك في الأوراق كأنني أقتص من الحزن نفسه. أرهقك بساعات طويلة من التفكير. وأحملك فوق طاقة الحبر والورق. ثم أعود إليك في اليوم التالي معتذرا دون كلمات. فأجدك كما أنت لا تعاتب ولا تشتكي، ولا تغادر.
وأعرف أن قسوتي عليك لم تكن عبثا.
كنت أجلدك أحيانا حتى يصقل الفكر. وأدفعك إلى أقصى حدود التأمل حتى تستخرج من أعماق العقل ما يختبئ خلف الظنون والعادات والأفكار المستهلكة. كنت أرهقك بالأسئلة التي لا تنام. وبالحوارات التي لا تنتهي. لأنني كنتُ أؤمن أن الفكر العظيم لا يولد في مناطق الراحة انما في ميادين المعاناة.
وكنت أجلدك حين أتذكر أبي. حين يمر اسمه في قلبي فتنهض سنوات العمر كلها دفعة واحدة. أستعيد صوته ونظرته وكلماته التي كانت تسبقني إلى الطريق. فأثقل عليك بما لا تستطيع الروح حمله وحدها. أكتب عنه فلا أكتب سيرة رجل. انما أكتب جزءا من نفسي رحل معه.
وأرهقك إذا تذكرت أمي. وأي إرهاق أشد من الحنين إلى أما كانت وطنا كاملاً؟ حين تحضر في الذاكرة تتبعثر الحروف أمامي. وتضيق اللغة عن وصفها. فأحملك ما لا تطيق من الشوق. حتى أكاد أسمع أنين الحبر وهو يسيل فوق الورق. عندها لا تكتب الكلمات انما تذرف دموعك حبرا. وتبكي بصمت نيابة عن عين أتعبها البكاء. ونيابة عن قلب لم يتعلم بعد كيف يتعايش مع الغياب.
ومع ذلك لم أجدك يوما متذمرا من قسوتي. ولا شاكيا من حملي الثقيل. كنتَ تستقبل أوجاعي كما تستقبل الأرض المطر. وتحول أحزاني إلى سطور. وحنيني إلى معان. ودموعي إلى أثرٍ يبقى بعد أن يجف الحبر وتطوى الصفحات.
أعرف أنني أستنزفك حين تتزاحم الأفكار في رأسي. وحين تتساقط الأسئلة من عقلي كالمطر. لكنك في كل مرة تتحول من قلم إلى وطن صغير ألجأ إليه.
كم أحبك أيها القلم. وكم أزعجتك بالأمس حين كتبت وجعي. ثم عدت إليك اليوم لتخفف عني وجعا جديدا. هكذا هي علاقتنا منذ سنوات. أنا أثقل عليك بما لا أستطيع حمله، وأنت تحمل عني ما لا أستطيع احتماله.
أنت الخزانة الوحيدة التي أودعت فيها أسراري وأسرار الذين أحببتهم. تحفظ أسماءهم وملامحهم وضحكاتهم ورسائلهم الأخيرة وأحاديثهم التي انقطعت فجأة. تحفظ كل شئ ثم تقف على باب الذاكرة حارسا أمينا لا تسمح بخروج شئ إلا حين أسمح أنا بذلك.
ولذلك لم أخف منك يومًا.
فالأصدقاء يرحلون أحيانا والرفاق تفرقهم الطرق. وبعض الأحبة تأخذهم الأقدار إلى أماكن لا نصل إليها أما أنت فبقيت.
بقيت حين غاب الجميع. بقيت حين أصبحت الذكريات أثقل من أن تحتمل.
بقيت حين صار الصمت لغة كاملة.
بقيت حين كنت أبحث عن كتف فلا أجد إلا صفحات بيضاء تنتظرني.
ولأنك رفيق الفكر، فقد علمتني أن الكتابة ليست حروفا تصطف فوق السطور. انما أرواح تعبر من إنسان إلى إنسان. علمتني أن الفكرة التي لا تمر عبر القلب تبقى باردة مهما كانت عظيمة. وأن المشاعر التي لا يهذبها العقل قد تتحول إلى عاصفة بلا اتجاه.
لهذا يستهويني القلم المفكر. القلم الذي لا يكتفي برؤية الأشياء كما هي.انما يسأل لماذا هي كذلك؟ القلم الذي لا يلهث خلف التصفيق. انما خلف الحقيقة. القلم الذي يراجع أفكاره قبل أن يطالب الآخرين بمراجعة أفكارهم.
القلم الذي يعرف أن القيادة ليست أوامر. وأن الإدارة ليست لوائح فقط. انما فهم للإنسان قبل فهم الأنظمة وبناء للأثر قبل بناء الإنجاز.
وحين أكتب في الإدارة والقيادة أشعر أن الأفكار تتساقط من العقل. كما تتساقط النجوم من سماء مزدحمة بالنور. هناك يصبح القلم أكثر من أداة. يصبح مترجما بين ما أفكر فيه وما أؤمن به. يحمل الرؤية من عالم التجريد إلى عالم التطبيق. ويحمل التجربة من ذاكرة السنين إلى عقول الباحثين عن الطريق.
أما الذين يظنون أن كثرة التفكير ضرب من الهذيان. فهم لا يدركون أن بعض الآفاق لا ترى إلا لمن سار بعيدا. فالهذيان الحقيقي ليس أن تفكر كثيرا. انما أن تتوقف عن التفكير لأنك توهمت أنك وصلت.
وأخطر ما يواجه المفكر ليس الجهل. انما اليقين المغلق. وأقسى ما يواجه صاحب القلم ليس النقد. انما التصفيق الفارغ. فالتصفيق قد يخدع الكاتب أما الحقيقة فتنقذه.
ولهذا يا صديقي سأبقى أعود إليك. كلما ضاق صدري. كلما اشتقت لمن رحلوا.
كلما أثقلتني الأسئلة. كلما أردت أن أترك أثرا قبل أن أصبح ذكرى. سأعود إليك لأنك تعرفني أكثر مما يعرفني الناس.
تعرف ضعفي حين أخفيه. وتعرف قوتي حين أنساها. وتعرف أنني لا أكتب لأملأ فراغ الصفحات. انما لأملأ فراغا في الروح.
فابقَ معي ما بقي الحبر وما بقي في القلب نبض.
فربما يرحل البشر وربما تتغير الأزمنة، وربما تخفت الأصوات، لكن الأثر الصادق الذي يكتبه قلم مخلص لا يشيخ أبدا.
وحين يسألني أحدهم يوما من كان أقرب أصدقائك بعد رحيل الأحبة؟ سأبتسم وأشير إلى قلمي. وأقول.
هذا الصديق لم يتكلم يوما لكنه أنصت أكثر من الجميع.



