
حملات للحد من تكاليف الزواج … هل لامست أصل المشكل ؟
بقلم : بندر الملحم
في الآونة الأخيرة، برزت العديد من المبادرات القبلية التي تهدف إلى الحد من تكاليف الزواج، من خلال وضع ضوابط لتنظيم حفلات الزفاف وتقليل مظاهر البذخ. ولا شك أن هذه المبادرات تنطلق من نية صادقة لتخفيف الأعباء عن الشباب، إلا أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي إذا لم تُلامس أصل المشكلة.
السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل تكاليف الزواج تبدأ من قاعة الأفراح، أم أنها تبدأ قبل ذلك بكثير؟
هناك من يملك القدرة على إقامة حفل في أفخم القصور، واستضافة أشهر الفنانين، وإنفاق مئات الآلاف دون أن يؤثر ذلك في وضعه المالي. وفي المقابل، هناك شاب لا يبحث إلا عن حفل بسيط يليق بهذه المناسبة، يتناسب مع دخله وإمكاناته. وعندما تُفرض قيود موحدة على الجميع، فإننا لا نعالج المشكلة، بل نساوي بين من يستطيع ومن لا يستطيع، بينما يبقى العبء الحقيقي كما هو.
إن أكبر التحديات التي تواجه الشباب اليوم ليست في نوع القاعة، ولا في عدد المدعوين، ولا في قيمة الفرقة الفنية، وإنما في ارتفاع المهور وما يصاحبها من التزامات مالية تثقل كاهل المقبلين على الزواج منذ الخطوة الأولى.
والمهر في الشريعة الإسلامية لم يُشرع ليكون وسيلة للمباهاة أو معيارًا للمكانة الاجتماعية، بل هو حق للمرأة، وتكريم لها، ودليل على جدية الرجل في بناء أسرة مستقرة. لكن عندما تتحول المهور إلى أرقام مبالغ فيها، فإنها تصبح سببًا في تأخير الزواج، وربما العزوف عنه، وهو ما يتعارض مع الهدف الذي شُرعت من أجله.
ولو كانت هناك رغبة حقيقية في تخفيف تكاليف الزواج، لكان الأولى أن تبدأ المبادرات من مراجعة المهور، ووضع حدود معقولة لها، قبل الحديث عن قيمة الفرقة الشعبية أو شكل الحفل. فخفض المهر يخفف العبء عن كل شاب، بينما تقليص مظاهر الاحتفال قد لا يغيّر شيئًا في أكبر بند من بنود التكلفة.
ومن زاوية أخرى، أثبتت هذه المبادرات أن القبائل تمتلك القدرة على الاجتماع واتخاذ قرارات موحدة عندما تتوافر الإرادة. وهذا يدفع إلى تساؤل مهم: لماذا لا تمتد هذه الإرادة إلى فرض ( العانية ) بدلًا من منعها ، يساهم فيها أبناء القبيلة بمبالغ رمزية، لدعم الشباب وتخفيف عبء التكاليف ، مثل هذه الخطوة ستكون أكثر عدلًا، وأعمق أثرًا، وستجسد قيم التكافل التي عُرفت بها القبائل عبر تاريخها.
إننا لسنا بحاجة إلى مساواة المقتدر بغير المقتدر، بقدر حاجتنا إلى إزالة العقبات التي تقف في طريق من لا يملك القدرة. فالقادر سيظل قادرًا، سواء أُقيم حفل زفافه في قصر فاخر أو في قاعة متواضعة، أما غير القادر فهو من يحتاج إلى من يخفف عنه بداية الطريق، لا أن يُطلب منه فقط أن يقلل من مظاهر الاحتفال.
إن نجاح أي مبادرة لا يُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، بل بمدى تأثيرها الحقيقي في حياة الناس. وعندما يصبح الشاب قادرًا على الزواج دون أن يثقل كاهله الدين، وعندما تقوم القبيلة كشريك يمد يد العون، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا لم نخفف تكاليف الزواج فحسب، بل حافظنا على الأسرة قبل أن تولد.



