مقالات

شوقر دادي في السوق بين التبسيط المُخِل والتفسير الانتقائي …. بقلم الكاتب عبدالرحمن غضبان العنزي

لم يكن مقال شوقر دادي في السوق للزميل إبراهيم العلوي والمنشور في صحيفة عكاظ يوم الجمعة
28/نوفمبر/2024م
الموافق 1447/06/07
محاولة لفهم ظاهرة اجتماعية بقدر ما كان استعراضاً سريعاً قائمًا على الانطباعات والاتهامات الجاهزة واللافت أن مناقشة موضوع معقد بهذا الشكل اختُزلت في صور نمطية وملفات نفسية تُرمى بلا ضوابط وكأن المجتمع لوحة واحدة وقرارات البشر تُقرأ بمسطرة واحدة
بدلاً من تحليل الظاهرة قفز المقال إلى تصنيفات حادة الرجل الكبير الباحث عن شابة صغيرة ثنائي القطب والفتاة التي تختار رجلاً يكبرها مضطربة أو نرجسية والطرفان جزء من ظاهرة استنزاف مثل هذه اللغة ليست توصيفاً اجتماعياً بل إطلاق أحكام مسبقة وتقديم تشخيصات نفسية دون سياق أو سند علمي وكأن الرغبات البشرية والعلاقات العاطفية مجرد أعراض مرضية قابلة للتشخيص من مسافة مقال
الحقيقة أن العلاقات التي تقوم على فارق العمر سواء اتفقنا معها أخلاقياً أم لم نتفق ليست ظاهرة جديدة ولا مقتصرة على ثقافة معينة هي امتداد تاريخي لعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متشابكة بعضها علاقات قائمة على مصالح واضحة وبعضها قائم على توافقات إنسانية لا يراها إلا أطرافها وبعضها تجارب فردية لا يمكن سحبها على مجتمع بأكمله
السؤال البسيط الذي تجاهله الكاتب لماذا يتجنب الخطاب الصحفي البحث عن الأسباب العميقة
هل لأن الغوص في بنية العلاقات الاجتماعية يتطلب جهداً أكبر من إعادة تدوير كليشيهات الأخلاق
هل لأن رمي الأطراف بصفات نفسية جاهزة أسهل من طرح الأسئلة المزعجة عن اقتصاد اليوم، ومعدلات تأخر الزواج وفجوات الدخل وتغيّر مفهوم الارتباط عند الجيل الجديد
الكاتب نقل تصريحات مختصين لكن النص تعامل معها كأنها حقيقة نهائية التشخيصات التي وردت ليست مجرد آراء بل أحكام قاسية تُستخدم لتفسير قرار إنساني قد يكون نابعاً من حاجة عاطفية أو رغبة في الاستقرار أو ظروف شخصية ليس كل رجل متقدم في العمر يبحث عن فتاة صغيرة فاقداً للسيطرة وليس كل فتاة تختار رجلاً أكبر مهووسة بالمال الإنسان أعقد من قالب جاهز مهما بدت زاوية الكتابة ضيقة
أما استخدام أوصاف مثل خرفان السوق فهو انزلاق عن المهنية لأن التنمّر لا يضيف معرفة بل يحجبها الاختزال بهذه الطريقة لا ينتج فهماً وإنما يعمق الفجوة بين الصحافة والجمهور ويضع الظاهرة في خانة التهكم بدلاً من التحليل
الصحافة مسؤولة عن تقديم قراءة تستند إلى الوقائع لا إلى الانطباع وإلى الأسئلة لا إلى الأحكام لا يمكن بناء رأي عام ناضج على مقال يضع طرفي العلاقة في قفص الاتهام ثم يعرض تشخيصاً نفسياً مسبقاً لكل من يخالف النموذج التقليدي للارتباط
الظواهر الاجتماعية لا تُفهم عبر شيطنة أطرافها ولا تُحل بتوجيه إصبع الاتهام إلى النساء مرة وإلى الرجال مرة أخرى تُفهم حين نعيد الظاهرة إلى سياقها الطبيعي اقتصاد متغير أنماط حياة تتبدل أدوار اجتماعية يعاد تشكيلها وفجوة كبيرة بين ما تتطلبه الحياة وما يستطيع جيل كامل تحمله
قبل أن نرسم المجتمع بخط واحد ربما يجب أن نبدأ بسؤال أهم هل نحن نصف الواقع فعلاً أم نصف ما نرغب أن يكون الواقع عليه
الكتابة الصحفية الرصينة لا تكتفي بأن تكون صدى للأحكام الجاهزة بل تحاول دائماً أن تكون أعمق من ذلك وهذا ما كان ينقص المقال وبشدة …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى