مقالات

تجربة عبد الله الغذامي مع الأرق

في كلمته ضمن مُلتقى الصحة العالمي، تحدّث الدكتور عبدالله الغذامي بصدقٍ إنسانيٍ عميق عن تجربةٍ شخصيةٍ تمتد لأكثر من ستين عامًا مع الأرق، بدأت منذ عام 1383هـ / 1963م، وظلّت تلازمه كما يلازم الظلُّ صاحبه، لكنها لم تكن خصمًا بقدر ما كانت معلّمًا. يقول الدكتور عبدالله الغذامي إنه تعلّم التعايش مع الأرق بإيجابية، فلم يلجأ إلى الأدوية أو الأعشاب، بل اختار أن يواجهه بالعقل واللغة. فحوّل ليالي السهر إلى فرصةٍ للتأمل واللعب بالكلمات، وابتكر لنفسه طريقة ذهنية فريدة؛ إذ كان قبل النوم يشغل ذهنه بتوليد الكلمات من حرفٍ واحد — كحرف الميم مثلًا — فيتذكّر به أسماء المدن والأماكن في المملكة: مدينة، مكة، ملهم، … وهكذا يستمر في هذه اللعبة الهادئة مع المفردات حتى يهدأ فكره ويغفو في رقادٍ وادعٍ .

الجدير بالذكر أنني تذكرتُ مثالين شبيهين بحالة الدكتور الغذامي مع الأرق؛ الأول هو الشاعر امرؤ القيس الذي رسم في شعره صورة الليل الطويل وما فيه من قلقٍ وسهادٍ وهموم، من معلقته الشهيرة “قِفَا نَبْكِ “
ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ
عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ
وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي
بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ
فَيَا لَكَ مَنْ لَيْلٍ كَأنَّ نُجُومَهُ
بكل مُغار الفتل شُدّت بيذبل
أما المثال الثاني، فهو صوت أم كلثوم كوكب الشرق في “رباعيات الخيام” وهي تهمس في أغنيتها الخالدة:
أفق خفيفَ الظلِ هذا السَّحَرْ
نادى دع النومَ وناغِ الوَتَرْ
فما أطالَ النومُ عمرًا ولا
قَصَّرَ في الأعمارِ طولُ السَّهَرْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى