مقالات

ورثوا الأرض وقطعوا الأرحام.. فهل بقي لهم نصيب من البركة بقلم الكاتبه ابتسام العتيبي

في مشاهد تتكرر في كثير من البيوت، لا يكاد يُذكر ميراث أرض أو عقار حتى تتبدل الوجوه، وتعلو الأصوات، وتنقلب المودة خصومة. إخوة تفرّقوا، أبناء عمّ تقاطعوا، ونساءٌ حملن في قلوبهن ما عجزت الجبال عن حمله من حزنٍ وقهر. والسبب؟ أمتار من أرض لن يحملها أحد معهم إلى قبورهم.

لقد حذّرنا القرآن الكريم من التفريط في صلة الرحم، فقال تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوٓا۟ أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22)
وجاء عتاب أشدّ في الآية التي تليها:
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰٓ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾.
أي أن من قطع رحمه مطرود من رحمة الله مهما ادعى من تدين أو حرص على “الحق”.

ولم يكن الإسلام غافلًا عن تنظيم الميراث، بل فصل فيه بدقة في سورة النساء، واعتبر الالتزام به عبادة، قال تعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ (النساء: 13)

ومع ذلك، فإن المشكلة اليوم ليست فقط في من يأخذ أكثر، بل في من ينسى أن الرحِم أغلى من أي أرض. تُباع الأرض وتُقسَّم، لكنها تبقى خلفهم بعد الرحيل، بينما تُسجَّل القطيعة في صحائف أعمالهم إلى يوم الدين.

ولو أدرك المتخاصمون قوله تعالى:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219)
لَعَلموا أن التسامح في الدنيا أهون بكثير من الحسرة يوم الحساب.

لن يأخذ أحدٌ منا من هذه الدنيا سوى عمله، أما الميراث الذي تقاتلنا لأجله فسيُقسَّم بعدنا من جديد، وربما يتخاصم عليه أبناؤنا كما فعلنا. ما أجمل أن نترك خلفنا ذكرى طيبة لا وثائق قضايا، وأن نُورَث رحمة لا عداوة.
فمن أراد البركة في رزقه وعمره، فليُصل رحمه قبل أن يُصلي عليه الناس .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى