مقالات

المرأة بين الصبر والاختيار …. أنوثة لا تُكسر بقلم الاعلاميه والكاتبه ابتسام عابد الثبيتي

في مجتمعاتنا المحافظة، كثيرًا ما تُحاط المرأة بهالة من التقدير حين تُوصف بـ”الصبورة”، حتى غدا الصبر وكأنه بطاقة عبور اجتماعية تؤهلها لأن تُرى مثالية، راضية، ناجحة.

غير أن هذا التقدير –رغم نبله في الظاهر– قد يتحول مع الوقت إلى ضغط خفي، يجعل المرأة تعيش في دائرة لا تنتهي من التحمل، حتى وإن لم يكن ذلك خيارها الواعي. فهل الصبر دائمًا قوة؟ وهل يُمكن أن يكون أحيانًا خنقًا ناعمًا لصوتها واحتياجها الإنساني؟

الإسلام، وهو مرجعية هذا المجتمع، لم يجعل الصبر خاصًا بالنساء، ولم يربط رضا الله فقط بمن يُسكت ألمه. بل بيّن أن الصبر عبادة يُؤجر عليها الإنسان متى ما كانت مقترنة بالإيمان والنية الخالصة.

قال تعالى:
{وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}
– آل عمران: 146

وقال أيضًا:
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}
– الزمر: 10

ورغم ذلك، لم يطالب الإسلام أحدًا –امرأة أو رجلًا– بأن يُلغي ذاته أو يتخلى عن إنسانيته في سبيل “التحمّل”. بل دعا إلى التوازن والعدل.
فقال النبي ﷺ:
“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير.”
– رواه مسلم

المؤمنة القوية ليست تلك التي تصبر فحسب، بل تلك التي تعرف متى تصبر، ومتى تختار، ومتى تتحدث، ومتى تصمت.

الصبر الحقيقي ليس في إنكار التعب، بل في وعيه، وتجاوزه بإرادة لا بتراكم الصمت.
والقوة ليست في التحمل الأعمى، بل في القدرة على اتخاذ القرار حين يحتدم الأمر بين الرضا والمجاملة، وبين الأمان والاعتياد.

في زحمة الأدوار المتعددة التي تؤديها المرأة –ابنةً، زوجةً، أمًا، موظفة، راعية بيت– تُنسى أحيانًا بصفتها إنسانة لها حاجات، ومشاعر، وحق أصيل في التوقف والتقاط الأنفاس.

وهنا تتجلى الحكمة في أن تُربّى الفتاة منذ الصغر على الوعي، لا فقط التحمل، وعلى أن تفهم أن العطاء جميل، لكن لا يُمكن أن يستمر بلا شحنة داخلية من التوازن والراحة.

فالصبر لا يعني إهمال الذات، ولا يعني أن تكون المرأة دائمًا الطرف الذي “يحتوي” ويتجاوز، بل أن تكون واعية بحجم عطائها، ومدى حاجتها، ومتى يكون الصبر اختيارًا، ومتى يكون الوقوف وقفة مراجعة أهم من الاستمرار.

قال الله تعالى:
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}
– الشمس: 7-9

فالنفس أمانة، ووعي الإنسان بها، واحتواؤه لها، جزء من عبادته لله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى