
“برمجة الدماغ … كيف نعيد تشكيل العادة” بقلم الكاتب حمد حسن التميمي
في أعماق النفس البشرية، هناك سر بسيط بقوة هائلة يكاد يغفل عنه الكثيرون: مهما حاولنا مقاومة عادة قديمة أو التمسك بسلوك اعتدناه حتى صار جزءًا منا، فإن قوة التكرار المنهجي تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل تصرفاتنا. ليست المشكلة في ضعف إرادتك أو نقص حافزك، بل لأن الدماغ صُمم من الأصل ليختصر الطريق ويوفر الطاقة. لذا، كلما كررت السلوك الجديد في ذات الموقف، يبدأ عقلك بتسجيله كخطوة تلقائية وأسهل، حتى تصبح العادة القديمة أقل حضورًا دون أن تضطر لبذل عناء المقاومة.
كم مرة حاولت أن تغير عادة ما أو تعدل سلوكًا راسخًا، ثم وجدت نفسك تعود بسرعة للمسار القديم مع أول موقف مألوف؟ هذا ليس فشلًا، بل أمر طبيعي تمامًا؛ إنه العقل يحمي نفسه بما اعتاده. ومع تكرار الفعل البديل مرارًا وتكرارًا، تفاجأ بنقطة تحول صغيرة: يصبح رد فعلك الأول تلقائيًا نحو السلوك الجديد، فتشعر أنك خطوت خطوة كبيرة دون إعلان النصر. في تلك اللحظة، تدرك أنك صرت صانعًا لعاداتك، ترسم خريطتك العصبية بنفسك، وتتحرر تدريجيًا من أسر الظروف.
أما لو كنت تبحث عن حلول عملية، فالسر يكمن في الاستمرار. لا تستهين بقوة التكرار، حتى لو بدا الأمر بسيطًا. كرر السلوك الجديد، واهتم بتوثيق كل مرة انتصرت فيها على النمط القديم. كافئ نفسك بشعور صغير من الرضا بعد كل إنجاز، وستلاحظ أن طعم العادة السابقة يبهت شيئًا فشيئًا وتتلاشى حدة التعلق بها، لأن عقلك سيعيد تعريف راحته وإنجازه من خلال البديل الجديد.
ومع هذا التحول الساكن، ستكتشف أنك تنظر إلى حياتك الماضية بدهشة: كيف كان يسلبك وقتك وجهدك ويؤثر على مشاعرك بتلك الصورة؟ هنا تبدأ مرحلة التطلع لما هو ممكن. الواقع يمنح القوة لمن يصيغ أنماطه بالممارسة، لا لمن ينتظر حدوث التغيير من تلقاء نفسه. جرب اليوم أن تستبدل النقد الداخلي القاسي بنقاش إيجابي مع نفسك، أو تقرأ صفحة ملهمة بدلًا من تصفح الهاتف قبل النوم؛ ستلمس غدًا ثباتًا أكبر، وتركيزًا أوضح، وأملًا أكثر رسوخًا لأنك بنيته على عادة راسخة ونمو داخلي صادق.
كلنا قادرون على التغيير مهما طال الأمد أو ترسخت السلوكيات، والمسافة بينك وبين عاداتك الجديدة هي ببساطة ما تكرره اليوم وتواظب عليه في الغد. لا تقيس قدراتك بمحاولات عابرة أو إخفاقات مؤقتة؛ النجاح كله في الوفاء للتكرار والإصرار على خيار يخدمك ويصنع منك نسخة أكثر ارتياحًا وتصالُحًا مع ذاتك. ثق في دماغك وفي قوة ما تكرر.



