مقالات

الكتابة بوصفها مطبخاً للحياة: قراءة في «الغزالة» لأميمة الخميس بقلم الكاتبة صباح عبدالله.

تقدّم أميمة الخميس في مجموعتها القصصية «الغزالة» الصادرة عن دار المدى سبع عشرة قصة خرجت – على حد قولها – من «كهف العزلة»، تتراوح بين القصيرة والقصيرة جدًا، موزعة على اثنين وتسعين صفحة، يحضر فيها صوت الأنثى، ووهج التفاصيل، وتلك الحيرة العميقة بين الحب والأمومة والكتابة.
تنطلق القصص من اليومي والعابر، ثم تتسلل نحو الأسطورة والتراث والميتافيزيقيا دون افتعال أو مبالغة، وكأن العالم كله قابل لأن يُعاد تشكيله عبر مطبخ، أو ذاكرة، أو خوف طفل من «غولة» لا يكبر عنها تمامًا.

أطول نص في المجموعة هو «قلائد الجمان وفرط الرمان في ليالي رمضان»، وهو ليس مجرد حكاية عن مطبخ، بل عن العالم الذي يتدفق من خلاله. ففي ليالٍ مشبعة بروحانيات الشهر وخوف كورونا وتوتر المسؤوليات، تتحوّل البطلة إلى كاتبة تحاول إنقاذ نفسها من سجون الوحدة، فتستنجد بالإلهة أثينا، لا لتمارس سحرًا منزليًا، بل لتمنحها قوة الكتابة؛ فـالخلاص عند أميمة الخميس لا يصنعه الطعام بل الحروف.
طول العنوان وإيقاعه المسجوع يكشفان تأثرًا واضحًا بالتراث العربي والبلاغة الإيقاعية، بينما ينفتح النص على ثقافات أخرى في سلاسة تحكمها رغبة الكاتبة في أن يصبح المطبخ فضاءً حضاريًا، تتلاقح فيه الشعوب، وتتقابل فيه الأذواق والطقوس.

تذهب الخميس أبعد من ذلك، فتخلع عن المطبخ ثوبه النمطي، وتحوّله من سجنٍ للنساء إلى مساحة اكتشافٍ وخلق. تقول إنها ستدخله «بهيبة الآلهات الشامخات»، محاولة تفكيك الشعارات النسوية الجاهزة التي حصرت المرأة في طرفي نقيض: مطبخ يلتهمها بالكامل، أو هروب كامل عنه.
وتدافع في الوقت نفسه عن حق الكاتبة في أن تكون أمًا لا تمزقها عقدة الذنب، إذ لا ينبغي للمرأة أن تدفع ثمن شغفها بالكتابة، ولا أن تُقاس أمومتها بعدد الأطباق المغسولة.
هنا يتداخل الأدبي مع الإنساني، حين يصبح الطعام ذاكرة، والروائح سلالات، والمطبخ صندوقًا أسود للطبقة الاجتماعية والحضارة والذائقة، بل وللعلاقات العاطفية، حيث تحضر الحكايات الشعبية التي جعلت المطبخ فخًا للعاشق أو قيدًا للمرأة، بينما تعامله الكاتبة كنص مضمر يحفظ العالم من التبخر.

الرياض أيضًا حاضرة بوصفها بؤرة النصوص؛ المدينة النجدية التي صارت نافذة العالم على العالم. فحين تمتلئ الموائد الرمضانية بأطعمة شرقية وغربية، تذوب الفوارق وتتوحد الألسن والأذواق.
الطعام هنا ليس مجرد طقس منزلي، بل جسر ثقافي وفنّ يكتب ذاكرة الشعوب. لم يشغل هذا الغنى الثقافي بنية السرد، بل جاء خفيفًا، متناغمًا، ينهض على جمل قصيرة مكثفة، ولغة مشبعة بالرمز، وتقاطعات بين التراث العربي القديم، والأسطورة الإغريقية، ونبرة معاصرة تحاور الواقع الاجتماعي دون أن تتحول إلى خطاب مباشر.

في قصة «الغزالة» تتبع الكاتبة حياة زوجين في بداياتها ونهاياتها، وتراقب كيف يذبل الحب ببطء، وكيف تختفي «الغزالة» التي كانت تنير لهما الطريق. صورة شعرية تقود القارئ إلى سؤال موجع: أين يذهب الحب حين يتحول الزواج إلى شكل اجتماعي بلا روح؟
وفي «اللدد في الخصومة» تستخدم أقصى درجات التكثيف لتبرئة حواء من التهمة التاريخية التي تلاحقها، مؤكدة أن الخصومة الحقيقية بين آدم ونسله من جهة، وإبليس من جهة أخرى، وأن المرأة خُلقت من ضلع الحياة، لا من طين ولا من نار.

وتتكرر ثيمة القهر الاجتماعي في «أوبة روح» حيث تظل البطلة رهينة ذكرٍ لم يسمح لروحها بالتحرك خطوة واحدة دون إذنه، بينما تلقي «القط» ضربة موجعة لأولئك الذين يسخرون من علاقة الإنسان بحيواناته الأليفة، فتكتب نصًا صغيرًا ولكنه كافٍ ليشير إلى أن الحزن لا يحتاج إلى مبررات كي يكون عميقًا.
أما «أمي الغولة» فتستعيد ذاكرة الطفولة، تلك الحكايات التي كانت الجدات يؤمنّ بها، ثم نفهم مع الوقت أنها خرافة، لكن الخوف يبقى مختبئًا في مكان ما من الذاكرة، ينتظر لحظة ليقفز، تمامًا كما يحدث في قصة «l1».

تكشف المجموعة عن ثقافة واسعة ووعي بالتراث والأساطير، مع قدرة على التنقل بين المرجعيات دون ادّعاء. ورغم وجود بعض الإطالة أحيانًا، أو مفردات قد يحتاج القارئ لبحث معناها، إلا أن النص ما يلبث أن يجد طريقه إلى القارئ حين يلامس حياته في أكثر مناطقها هشاشة: مطبخ، خوف، حب يذبل، أمومة تزدحم بالواجبات، أو ذاكرة تستيقظ فجأة بسبب رائحة أو طبق.

«الغزالة» ليست مجرد قصص قصيرة، بل محاولة لإعادة تعريف صورة المرأة، وتذكير خفي بأن الكتابة يمكن أن تكون خلاصًا، وأن الروح لا تستعيد حريتها إلا حين تبوح.
هذه نصوص خرجت من العزلة لكنها لا تعود إليها، بل تطرق باب القارئ بهدوءٍ وعمق، تاركة أثرًا يشبه طعمًا لا يغادر الحلق بسهولة، أو غزالة تهرب إلى الداخل بدل أن تضيع في الخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى