مقالات

روح التلاحم ورمز التكافل الاجتماعي

شهر رمضان المبارك ليس مجرد موسم للعبادة، بل هو مدرسة اجتماعية تُجسد فيها أسمى معاني التراحم والتكافل. ومن أبرز المبادرات التي عكست هذه القيم النبيلة، مبادرة جمعية مراكز الأحياء “مجتمعي” لتنظيم الإفطار الرمضاني في مجالس الأحياء، وهي فكرة تتجاوز مفهوم اللقاء العابر إلى مشروع يعزز روح الانتماء ويُرسّخ معاني التواصل والتآخي.

تأتي هذه المبادرة لترسم صورة حيّة تُعيد للأحياء دورها الأصيل كمحاضن اجتماعية تحتضن سكانها بمودة وتلاحم. يجتمع الجيران بمختلف فئاتهم وأعمارهم على مائدة واحدة يتقاسمون خلالها لحظات رمضانية عامرة بالودّ والتآخي، فتتلاشى الفوارق، وتتقارب القلوب في مشهد يُجسد المعاني الإنسانية الراقية التي دعا إليها ديننا الحنيف.

وقد جاءت هذه المبادرة امتثالًا لقوله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ) فالإفطار الجماعي الذي يجمع الجيران على مائدة واحدة هو صورة حية لهذا التعاون، حيث يتحول اللقاء إلى مساحة تُترجم فيها المحبة إلى أفعال صادقة تُقوي أواصر المجتمع وتُعزز معاني الأخوة.

ولا تقتصر هذه المبادرة على مجرد لقاء اجتماعي، بل تُعيد إحياء مفهوم التراحم الذي شبّهه النبي صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد حين قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وهذا ما تُجسده هذه اللقاءات الرمضانية التي تزرع في النفوس معاني الشعور بالآخر والحرص على تفقّد أحوال الجيران ومساندتهم.

ولأن قيم الجوار من المبادئ التي رسّخها الإسلام، جاء الإفطار الرمضاني ليُعيد إحياء هذه الروح النبيلة التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم  في قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه )فتلك اللقاءات تعزز الألفة بين الجيران وتُرسّخ معاني التكافل الاجتماعي في أجواء تعكس روح الأسرة الواحدة.

وإلى جانب أثرها الاجتماعي، تُغرس من خلال هذه المبادرة معانٍ أعمق تتمثل في قيم العطاء والبذل، حيث يتعاون الجميع في تجهيز الإفطار وخدمة الضيوف، فيتولد لديهم شعور بالمسؤولية المجتمعية، وتنمو في نفوسهم معاني التعاون والإحساس بالآخرين.

لقد نجحت جمعية مراكز الأحياء “مجتمعي” في تحويل الإفطار الرمضاني من لقاء اجتماعي إلى منصة تُعيد للحياة الاجتماعية دفئها وتُذكّر بقيمة الجوار وأهميته في بناء مجتمع قوي ومتماسك.

هذه المبادرة ليست مجرد عمل خيري عابر، بل رسالة إنسانية تُحيي القيم النبيلة وتغرس معاني الرحمة والعطاء في النفوس، فتجعل من الإفطار الرمضاني أكثر من مجرد لقاء، بل تجربة تُغذّي الأرواح قبل الأبدان وتُعمّق روابط المحبة والاحترام بين الناس.

وختامًا، تبقى هذه المبادرة نموذجًا يُجسد القيم الإسلامية السامية في أبهى صورها، ويُعيد للأحياء دورها كمكان يحتضن الجميع بمودة وتراحم. إنها رسالة مجتمعية تتجاوز حدود الزمان والمكان، تُضيء دروب المحبة، وتعزز أواصر المجتمع، لتصبح تلك اللقاءات الرمضانية ذكرى جميلة تُلهم الناس لمزيد من التلاحم والتآخي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى