مقالات

” التوقيت الثقافي ” هل نحن أسرى عقارب الساعة؟

“الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك مقولة تتردد في أذهاننا منذ الصغر، لكن هل نعيشها حقًا؟ هل الوقت مجرد أرقام تتحرك على عقارب الساعة، أم أنه قالبٌ يصنع هويتنا الثقافية؟ نحن لا نرى الزمن بالطريقة ذاتها، فهناك من يركض وراءه، وهناك من يدعه ينساب بلا قيود. وبين هذين النموذجين، تتشكل شخصياتنا ومجتمعاتنا.

في بعض الثقافات، يُعد الالتزام بالمواعيد علامة على الانضباط والنجاح، كما هو الحال في اليابان وسويسرا، حيث يتأخر القطار بضع ثوانٍ فيصدر اعتذار رسمي! بينما في مجتمعات أخرى، يُنظر إلى الوقت بمرونة، فاللقاءات تبدأ عندما يجتمع الجميع وليس عندما يشير عقرب الساعة. وهنا تبرز قيمة حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ) وكأنه تحذيرٌ صريح بأن ترك الوقت دون استغلال يجعله سلاحًا ضدنا.

لم نعد نعيش في زمنٍ يمكن فيه الفصل بين العمل والراحة، فالهاتف يهتز في منتصف العشاء، والبريد الإلكتروني ينتظر في الفجر. أين الخط الفاصل؟ وكيف نعيد التوازن؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ) تأمل هذا الحديث ، هل ننتبه حقًا للفرص قبل أن تتحول إلى “كان بالإمكان”؟ وقد صاغ امير الشعراء احمد شوقي ذلك شعريًا بقوله:

دقاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثوانِ

الزمن ليس مجرد ترتيبٍ للأحداث، بل هو جزء من نسيج ثقافتنا. المسلم يضبط يومه على أوقات الصلاة، والمجتمع العربي يتميز بجلساته المسائية الطويلة، بينما في الغرب تُقدَّس الساعات الصباحية للإنتاجية. قال الله تعالى ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) في إشارة إلى أن الزمن ليس عشوائيًا، بل هو جزءٌ من نظام إلهي ينظم حياتنا.

المشكلة ليست بالوقت ، بل كيف نراه ونستخدمه. فهو يمضي بنا سواء أدركنا قيمته أم لم ندرك، وكما قال الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك”. الزمن لن ينتظر أحدًا، فهل نحن من الذين يصنعون أوقاتهم، أم من الذين يُساقون خلفها؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى