مقالات

من الألم إلى القسوة حين يصنع الجرح جلادَه …. بقلم الكاتبة والإعلامية شعاع السعد

في التاريخ الإنساني لا يولد الجلاد جلادًا غالبًا ما يبدأ الحكاية طفلٌ مكسور إنسانٌ مسحوق أو ضحيةٌ صامتة لكن في لحظةٍ ما ينقلب المسار اليد التي ارتجفت خوفًا تصبح يدًا قاسية والصوت الذي خُنق طويلًا يتحول إلى أمرٍ نافذ
هنا لا يحدث التحوّل فجأة بل كعملية فلسفية صامتة تبدّل معنى الذات فالإنسان لا يتحول إلى جلاد حين يتألم فقط بل حين يعجز عن إعطاء ألمه معنى إنسانيًا

الفيلسوف نيتشه كتب “احذر وأنت تحارب الوحوش أن تصبح واحدًا منهم” فالشر في أحد أوجهه ليس سوى رد فعل على شر سابق لم يُفهم

الجرح كهوية بديلة

علم النفس يقدّم تفسيرًا مؤلمًا حين يُسلب الإنسان إحساسه بالقيمة والسيطرة قد يبحث عن بديلٍ يمنحه شعور القوة حتى لو كان ذلك عبر إلحاق الألم بالآخرين بعض الضحايا لا يشفون بل يتعلّمون
وهنا تتدخل الفلسفة الجرح حين لا يُعالج لا يبقى حدثًا في الذاكرة بل يتحول إلى هوية
فالإنسان لا يقول في داخله “تألمت” بل “أنا هذا الألم”وحين تصبح الهوية مبنية على الجرح يصبح العالم ساحة تهديد ويغدو الآخرون أدوات أو أعداء

ستالين الطفل المعنَّف الذي صنع دولة من الخوف

جوزيف ستالين أحد أكثر الطغاة دموية في القرن العشرين نشأ طفلًا في بيتٍ يضرب فيه الأب ابنه بوحشية عاش الفقر والسخرية والتهميش ذلك الطفل الذي لم يعرف الأمان كبر وهو يرى القسوة كوسيلة تنظيم للعالم
فلسفيًا ستالين لم يؤمن بالشر بل آمن بـالضرورة الضرورة هنا مفهوم خطير حين يُقنع الإنسان نفسه أن العنف ليس خيارًا أخلاقيًا بل قانونًا طبيعيًا
وحين وصل إلى السلطة لم يرَ البشر أفرادًا بل احتمالات فوضى فقتل ونفى وسحق الملايين لم يكن ذلك جنونًا صرفًا بل إعادة إنتاج منهجية للألم الذي تعلّمه باكرًا اضرب قبل أن تُضرب

روبسبير ضحية الظلم باسم العدالة

ماكسيميليان روبسبير أحد وجوه الثورة الفرنسية بدأ حياته محاميًا يدافع عن الفقراء متألمًا من ظلم الطبقية كان يرى نفسه صوت المظلومين
لكن المأزق الفلسفي هنا هو تحويل القيم إلى مطلقات حين تصبح العدالة فكرة نقية غير قابلة للخطأ يتحول من يحملها إلى قاضٍ على البشر لا بينهم
باسم “حماية الثورة” أُعدم الآلاف بالمقصلة الضحية التي أقسمت على إنهاء الظلم صنعت نظامًا يرعب حتى أنصاره لم يكن الشر هدفه بل اليقين المطلق بأنه وحده على حق واليقين المطلق فلسفيًا هو أقصر طريق إلى الطغيان

هتلر الإهانة كوقود للكراهية

قبل أن يصبح رمزًا للنازية كان أدولف هتلر شابًا فاشلًا مرفوضًا محطم الطموح عاش الإهانة الوطنية بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وتجرّع شعور العجز الشخصي
الفلسفة الوجودية ترى أن الإنسان حين يعجز عن مواجهة عبثية فشله يبحث عن شماعة كونية
بدل مواجهة الانكسار حوّله هتلر إلى أيديولوجيا انتقم من العالم بأكمله وأسقط ألمه الداخلي على شعوب بأكملها الضحية هنا لم تكتفِ بأن تصبح جلادًا بل أقنعت أمة كاملة بأن تشاركه الدور لأن الألم حين يُعمّم يصبح أقل فظاعة في نظر صاحبه

لم يكن خطر هتلر في كراهيته وحدها بل في منحه الإهانة معنى أخلاقيًا
الفشل الشخصي حين يُترك بلا مساءلة داخلية يتحول إلى سردية أنا لم أفشل بل ظُلِمت وهنا تبدأ الكارثة لأن الإنسان حين يرى نفسه ضحية مطلقة يمنح نفسه إذنًا مطلقًا

الخطير في تجربة هتلر أنه لم يحتفظ بألمه كجرح خاص بل حوّله إلى هوية جمعية لم يقل “أنا مهان”،
بل قال “نحن مهانون” وبذلك انتقل الألم من مستوى الاعتراف إلى مستوى التعبئة
في هذه اللحظة لا يعود الجلاد فردًا بل يصبح فكرة وتصبح القسوة واجبًا ويغدو القتل تصحيحًا للتاريخ لا جريمة فيه

هنا يتقاطع الألم مع الفلسفة السياسية
حين يُقنع القائد أتباعه أن كرامتهم لا تُستعاد إلا بإذلال غيرهمفإن الجريمة تُرتكب بضمير مرتاح وهكذا لم يكن هتلر وحده الجلاد بل المعلّم الأول لمنهج يرى في الآخر سببًا لكل نقص داخلي

البُعد الإنساني هل الجلاد بلا إنسانية؟

السؤال الأصعب هل نفهم الجلاد لنبرّره؟
الإجابة لا الفهم ليس تبريرًا لكنه ضرورة أخلاقية
الفيلسوفة حنّة آرنت تحدثت عن “تفاهة الشر” ليس لأن الشر بسيط بل لأن فاعليه غالبًا توقفوا عن التفكير في إنسانية أفعالهم

الجلاد ليس وحشًا خالصًا بل إنسان تعطلت لديه القدرة على رؤية الآخر كذات
والفارق بين ضحية تتعافى وضحية تتحول إلى جلاد، هو وجود من يسمع من يحدّ من يعالج ومن يقول توقّف قبل أن يصبح الألم مشروعًا سياسيًا أو أخلاقيًا

كسر الدائرة

التاريخ ليس فقط سجلًا للدم بل تحذيرًا فلسفيًا متكررًا
كل مجتمع يهين يقمع أو يهمّش يزرع بذرة جلاد مستقبلي وكل إنسان لا يُمنح فرصة شفاء قد يبحث عن خلاصه في السيطرة

التحوّل من ضحية إلى جلاد ليس قدرًا لكنه احتمالٌ مرعب حين يُترك الألم بلا احتواء وحين يُكافأ العنف بالسلطة
والسؤال الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس لماذا كانوا قساة؟
بل كيف نمنع الألم القادم من أن يجد لنفسه لغةً أخلاقية أو سلطةً أو جمهورًا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى