
الحياة ليست عادلة بقلم الكاتب عبدالله العطيش
بين صفحات الحياة القاسية، وُلد طفل صرخته الأولى في عالم لم يجد فيه والديه، حيث فارق والده الحياة، ولحقت والدته به حسب ما تقضي به شريعتنا السمحة. كأنه قُدر له أن يواجه الحياة وحيدًا، عاش طفولته بلا مأوى، ينتظر شفقة الآخرين ورحمتهم. عاش تحت خيامٍ تتساقط عليه أمطار الشتاء، ويحتمي بالرمال من بردٍ قارس، بلا ملابس تدفئه ولا جدران تحميه من حرارة الشمس. رغم ذلك، كان صابرًا، مرددًا “الحمد لله”.
توجه لأقاربه بحثًا عن العون، لكنه وُوجه باللامبالاة، حيث تركه إخوته كلٌ منهم مشغول بحياته الشخصية، وكأنه عالة عليهم. ما كان مؤلمًا أكثر هو فقدانه لآدميته وهويته؛ لم يكن لديه أي وثيقة تثبت وجوده. مع رحيل والده، ماتت قلوب من حوله، فلم يكترث أحد لأمره، وكأن الدنيا ألقت عليه بكل أثقالها.
مرت السنوات، واشتد ساعده، تزوج من امرأة لم تعرف الرحمة، وأنجب الأبناء والبنات، لكنه ظل يشعر بالغربة في بيته وفي وطنه. رغم كل ما قدمه لأسرته، لم يجد منهم سوى الجحود. وعندما ضعف جسده، لم يتحمل الإهانة التي جاءت من أقرب الناس إليه؛ زوجته وأبناؤه الذين لم يراعوا قوله تعالى: “ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا”.
عاش حياته في منفى داخل عائلته، غريبًا يتمنى الكلمة الطيبة ولا يجدها، رغم كل ما قدمه من تضحيات. السؤال المؤلم هنا: من الجاني؟ هل هو الأب الذي كافح وضحى من أجل أبنائه؟ أم الأبناء والزوجة الذين تركوه ليواجه مصيره وحيدًا، منتظرًا صدقة الكلمة والعطف؟



