الاخبار المحلية

جمعية الأدب المهنية تناقش في حائلتحولات الرواية للسينما من الحبر إلى الضوء

​نظّمت جمعية الأدب المهنية، ممثلة بسفرائها في حائل، مساء يوم الثلاثاء 05/05/2026 عند الساعة 7:30 مساءً، في مقهى بنشاي (الشريك الأدبي)، محاضرة ثقافية بعنوان “الرواية من الحبر إلى الضوء: تحولات السرد من النص إلى الصورة”، قدّمها الدكتور مفرح بن غاطي الرشيدي، وأدارتها الأستاذة سعداء الفريح، وسط حضور نوعي من المثقفين والمهتمين بالأدب والسينما.
واستعرضت المحاضرة، في مستهلها، طبيعة العلاقة بين الرواية والسينما بوصفهما وسيطين مختلفين في التعبير؛ إذ أوضح الرشيدي أن الرواية تُبنى باللغة والتخييل، وتمنح القارئ مساحة واسعة لإعادة تشكيل النص، في حين تعتمد السينما على الصورة والصوت، وتقدم المعنى بصورة مباشرة ومكثفة. وأكد أن الانتقال من الرواية إلى الفيلم لا يُعد نقلًا حرفيًا، بل يمثل عملية إعادة إنتاج للنص ضمن نظام بصري جديد.
وتطرقت المحاضرة إلى مفهوم “التحويل” بوصفه عملية تغيير في الشكل والوسيط واللغة، مشيرة إلى أن النص الروائي حين ينتقل إلى الشاشة يخضع لتحولات تفرضها طبيعة الزمن السينمائي وحدود الصورة. وفي هذا السياق، تناول الرشيدي مفهوم “الإكرانيساسي” بوصفه الإطار النظري الذي يفسر عملية تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، حيث ينتقل النص من تجربة فردية قائمة على القراءة إلى تجربة جماعية قائمة على المشاهدة.
كما ناقشت المحاضرة الفروق الجوهرية بين السرد الأدبي والسرد السينمائي، مبينة أن الرواية تمتاز بزمن مفتوح وسرد داخلي ووصف تفصيلي، بينما يقوم الفيلم على زمن محدود وفعل بصري مكثف، الأمر الذي يفرض ضرورة إجراء تغييرات على النص عند تحويله.
وفي محور رئيس، استعرض الرشيدي أنماط التحول الأساسية التي تصاحب عملية الاقتباس السينمائي، والتي تتمثل في التضييق (الحذف)، والزيادة (الإضافة)، وتغيير الأنماط (التحوير)، موضحًا أن هذه التحولات لا تقتصر على الشكل، بل تمتد إلى بنية العمل الروائي، حيث قد يتم اختصار الحبكة، وتقليل الخلفيات، ودمج أو حذف شخصيات، بل وإعادة صياغة القيم والمعاني بما يتناسب مع طبيعة العرض البصري.
وتناولت المحاضرة كذلك إشكالية التلقي، حيث أشار الرشيدي إلى أن الفجوة بين القارئ والمشاهد تنشأ من اختلاف التجربة؛ فالقارئ يبني الرواية وفق خياله الخاص، بينما يواجه المشاهد رؤية بصرية جاهزة، مما يفسر شعور بعض القراء بعدم الرضا عن الأعمال المقتبسة، نتيجة عدم تطابقها مع تصوراتهم الذهنية.
وشهدت الفعالية تفاعلًا واسعًا من الحضور، حيث أسهمت مداخلات الجمهور في تعميق النقاش، وطرحت تساؤلات حول حدود التغيير المقبول في النص الروائي، وإمكانية تفوق الفيلم على الرواية، ومدى أحقية المخرج في إعادة تشكيل العمل الأدبي.
وفي ردوده، أكد الرشيدي أن الحذف والإضافة في التحويل السينمائي يمثلان ضرورة فنية يفرضها اختلاف الوسيط، شريطة ألا تمس جوهر النص، مشيرًا إلى أن الفيلم قد يتفوق أحيانًا على الرواية إذا امتلك رؤية مستقلة قادرة على إعادة إنتاج المعنى لا مجرد نقله. كما أوضح أن المخرج لا ينقل الرواية، بل يقدم قراءة بصرية خاصة لها، ما يجعل كل عمل سينمائي تفسيرًا للنص وليس نسخة منه.
كما تناولت النقاشات أهمية إعداد الروايات بأسلوب قابل للتحويل البصري، ودور التعاون بين الروائيين وصنّاع الأفلام في تطوير هذا المجال، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها صناعة السينما في المملكة.
واختتمت المحاضرة بالتأكيد على أن الرواية حين تتحول إلى السينما لا تفقد هويتها، بل تُعاد صياغتها ضمن نظام دلالي جديد، تحكمه لغة الصورة والصوت، مشددًا على أن العلاقة بين الرواية والفيلم تقوم على التفاعل والإبداع، لا على التبعية أو الاستنساخ.
يُذكر أن هذه المحاضرة تأتي ضمن برامج الشريك الأدبي التي تهدف إلى تنشيط الحراك الثقافي في المنطقة، وفتح مساحات للحوار بين المبدعين والجمهور، وتعزيز التفاعل مع القضايا الأدبية المعاصرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى