مقالات

الحارس الذي لاينام .. بقلم الكاتبة الاعلاميه موضي بنت سليمان

ليست الرقابة الذاتية نصًا يُعلق على الجدران، ولا سلطه تفرض من الخارج، بل قوة خفية تستقر في وجدان الإنسان، فتقوده حين يغيب الرقيب ويشتد الاختبار. إنها ذلك الصوت الهادئ الذي يردعه عن الزلل، ويدفعه إلى الصواب دون انتظار جزاء أو خشية لوم.

وتبلغ هذه القيمة ذروتها حين يدرك الإنسان معنى الإحسان؛ أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يعلم يقينا أن الله يراه. عندها لا يعود الصواب مجرد التزام، بل يتحول إلى وعي دائم يلازم القلب والسلوك. فالمراقبة الحقيقية لا تُستمد من حضور الناس، بل من حضور هذا المعنى في النفس.

القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يظهره أمام الآخرين، بل بما يختاره حين يخلو بنفسه. هناك تتكشف المعادن، ويظهر الفرق بين من يصنع صورة حسنة، ومن يبني جوهرًا مستقيمًا. فالاستقامة في الخفاء أصدق من أي فضيلة معلنة، لأنها تنبع من يقين داخلي لا من تأثير خارجي.

وفي زمنٍ يسهل فيه التجمل خلف الشاشات، تظل الرقابة الذاتية الحاجز الأخير بين الإنسان وزيف الصورة. فهي التي تحفظه من أن يضل في عالم الأسماء المستعارة والوجوه المصطنعة، وتبقيه وفيا لحقيقته مهما اتسعت المسافات بينه وبين الآخرين.

ولأنها نابعة من الداخل، فهي ليست قيدًا، بل تحررٌ راقٍ؛
إذ ترفع الإنسان فوق نزواته، وتجعله أكثر اتزانًا في اختياراته. من امتلكها لم يعد أسيرًا لمدح عابر أو رغبة طارئة، بل صار محكومًا بمبدأ ثابت يوجهه في كل منعطف.

وحين ينسجم الظاهر مع الباطن، ينال المرء سكينة لا تُشترى. فالصراع الحقيقي ليس مع العالم، بل مع النفس حين تحاول التنازل عما تؤمن به. ومن ينتصر في هذه المعركة يملك أعظم أشكال القوة.

الرقابة الذاتية هي أصل البناء الإنساني، والفضيلة التي تمنح السلوك صدقه. إنها الحارس الذي لا يغفل، والميزان الذي يبقى قائمًا حتى حين يختفي الجميع .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى