
كوخ العسل برجال ألمع.. تجربة سياحية تستثمر إرث النحل وتفتح آفاق السياحة الريفية في عسير
تقرير مشترك
التحرير : الإعلامي حمد دقدقي
الإعلامي رمضان مجممي
تصوير : جبريل خبراني
في بيئة جبلية تحتضن تنوعًا نباتيًا وطبيعيًا فريدًا، تقدم محافظة رجال ألمع بمنطقة عسير نموذجًا للسياحة الريفية التي تستثمر الموروث المحلي وتحوله إلى تجارب سياحية ذات قيمة اقتصادية وثقافية. ويبرز «كوخ العسل» بوصفه إحدى التجارب النوعية التي تجمع بين تربية النحل وإنتاج العسل والتراث العمراني، مستندًا إلى علاقة تاريخية بين إنسان الجبل وبيئته، وإلى إرث زراعي توارثته الأجيال في هذه المحافظة.
ويعكس المشروع توجهًا متناميًا نحو استثمار المنازل الريفية والمواقع الطبيعية والأنشطة الزراعية في تطوير منتجات سياحية متنوعة، تمنح الزائر فرصة التعرف على حياة المجتمعات المحلية، والمشاركة في أنشطتها، واكتشاف مواردها الطبيعية ومنتجاتها الأصيلة.
من بيت ريفي إلى وجهة سياحية
في أحد الأودية التي تتميز بها رجال ألمع، وسط الأشجار الكثيفة والغطاء النباتي، نجح المهندس محمد الألمعي في تحويل منزله الريفي إلى مشروع سياحي متخصص في عالم العسل والنحل، مستفيدًا من الخصائص الطبيعية والتراثية للموقع.
ويقدم «كوخ العسل» تجربة متكاملة تبدأ بالتعرف على البيوت الحجرية التقليدية التي استخدمها الأهالي قديمًا لإيواء خلايا النحل، مرورًا بمشاهدة الخلايا والأدوات التراثية المستخدمة في تربيتها، والتعرف على مراحل إنتاج العسل، وصولًا إلى تذوق الأنواع المحلية واكتشاف تنوعها وخصائصها الغذائية.
وتمنح هذه التجربة الزائر فرصة للتفاعل المباشر مع البيئة الريفية، والتعرف على جانب من الممارسات الزراعية التي شكلت مصدرًا للغذاء والدخل لدى سكان الجبال، كما تسهم في تعزيز الوعي بأهمية النحل في تلقيح النباتات والمحافظة على التنوع الحيوي.
بيوت النحل.. إرث عمراني يعكس خبرة الأجداد
وتشكل بيوت النحل الحجرية أحد أبرز الشواهد على المعرفة البيئية التي امتلكها سكان جبال عسير؛ إذ شيدها الأهالي باستخدام الأحجار المحلية، وفق تصميم يراعي حماية الخلايا من الظروف المناخية، ويساعد على توفير بيئة مناسبة لاستقرار النحل.
وتوضع داخل هذه البيوت خلايا أسطوانية مصنوعة من جذوع الأشجار، جرى إعدادها وترتيبها بعناية، بما يعكس خبرة متراكمة في تربية النحل والاستفادة من الموارد المتاحة في البيئة المحلية.
ولا تقتصر أهمية هذا الموروث على قيمته الزراعية، بل يمتد إلى أبعاده الثقافية والسياحية، باعتباره عنصرًا من عناصر الهوية المحلية التي يمكن توظيفها في البرامج السياحية والتجارب التعليمية، وتعريف الزوار بتاريخ الحرف والأنشطة الاقتصادية التقليدية.
النحل.. مورد طبيعي ومنظومة إنتاج متعددة
وتتجاوز أهمية النحل إنتاج العسل إلى دوره الحيوي في استدامة النظم البيئية، من خلال تلقيح النباتات والمحاصيل الزراعية، فضلًا عن إنتاج مجموعة من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية والغذائية، تشمل حبوب اللقاح والغذاء الملكي وشمع النحل والعكبر، إضافة إلى سم النحل الذي يحظى باهتمام بحثي في مجالات علمية وطبية متخصصة.
ويمثل هذا التنوع فرصة لتوسيع النشاط الاقتصادي المرتبط بتربية النحل، من خلال تطوير منتجات محلية ذات قيمة مضافة، وتحسين أساليب التعبئة والتسويق، وفتح قنوات بيع جديدة، إلى جانب إدراج المناحل ضمن التجارب السياحية الزراعية.
كما تبرز أهمية المحافظة على المراعي النباتية ومصادر الرحيق، وتطبيق الممارسات المستدامة في إدارة الخلايا وجني المنتجات، بما يضمن استمرارية هذا المورد الطبيعي وحماية البيئة المحيطة.
رجال ألمع.. وجهة تتكامل فيها الطبيعة والتراث
وتأتي تجربة كوخ العسل ضمن منظومة من المقومات السياحية التي تتميز بها رجال ألمع، وفي مقدمتها قريتها التراثية الشهيرة بمبانيها الحجرية متعددة الطوابق، وما تمثله من قيمة عمرانية وثقافية تعكس تاريخ المنطقة وأنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها.
ويقدم متحف الزوار بالقرية التراثية تجربة معرفية تسلط الضوء على تاريخ عسير وموقعها الجغرافي وأهميتها في حركة التجارة القديمة. وتوثق معروضاته ولوحاته المعلوماتية ارتباط المنطقة بمسارات تجارية ربطت جنوب الجزيرة العربية بشمالها، وامتدت عبر محطات تجارية إلى بلاد الشام وبلاد الرافدين ومصر.
كما تستحضر بعض المعروضات الروايات التاريخية المرتبطة بحملة أبرهة وطريقها نحو مكة المكرمة، وما يعرف في الذاكرة المحلية باسم «درب الفيل»، وهو ما يضيف بعدًا تاريخيًا للزيارة، ويتيح للزائر التعرف على جانب من الموروث الجغرافي والتاريخي للمنطقة.
ويمنح هذا التنوع في المقومات فرصة لتطوير مسارات سياحية تربط بين المواقع التراثية والمشروعات الريفية والمواقع الطبيعية، بما يعزز جاذبية المحافظة ويتيح للزائر تنويع برنامجه السياحي.
السياحة الريفية.. قيمة مضافة للاقتصاد المحلي
وتبرز أهمية المشروعات الريفية المتخصصة في قدرتها على تحويل الموارد الطبيعية والمعارف التقليدية إلى فرص اقتصادية مستدامة، من خلال استحداث أنشطة سياحية مرتبطة بالإنتاج المحلي، وتوفير فرص لأصحاب المشروعات الصغيرة والأسر المنتجة، وتنشيط الأسواق والحرف والخدمات المساندة.
ويمكن لتجربة كوخ العسل أن تشكل نقطة انطلاق لتطوير منتجات سياحية أكثر تكاملًا، تشمل برامج التعرف على المناحل، وورش صناعة منتجات النحل، وتجارب التذوق، والأسواق الريفية، والأنشطة التعليمية المرتبطة بالبيئة والزراعة، فضلًا عن تنظيم زيارات موسمية تتزامن مع مواسم الإزهار وإنتاج العسل.
كما يسهم التكامل بين هذه المشروعات والوجهات التراثية والطبيعية في تعزيز مدة إقامة الزوار، وزيادة الإنفاق السياحي داخل المحافظة، وتوسيع نطاق استفادة المجتمع المحلي من النشاط السياحي.
وتتسع أهمية هذه التجربة في ضوء مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وتنمية السياحة، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في تطوير المنتجات والخدمات السياحية.
تجربة محلية بهوية عالمية
ويقدم كوخ العسل في رجال ألمع نموذجًا للمشروعات التي تنطلق من خصوصية المكان، وتستثمر عناصره الطبيعية والتراثية في صناعة تجربة سياحية مختلفة؛ تجربة لا تكتفي بعرض العسل بوصفه منتجًا محليًا، بل تكشف للزائر عن منظومة متكاملة تبدأ من الأزهار، وتمر بالنحل والمناحل، وتنتهي بمنتج يحمل في مذاقه أثر البيئة وخبرة الإنسان.
وبين العمارة الحجرية القديمة والمناحل الريفية والطبيعة الجبلية، تواصل رجال ألمع تقديم مقوماتها السياحية بصورة تجمع أصالة الموروث وتطلعات التنمية، مؤكدة أن الاستثمار في الهوية المحلية يمثل أحد المسارات الواعدة لتطوير السياحة الريفية، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتقديم وجهات سعودية تستمد تميزها من الإنسان والطبيعة والتاريخ






















