
الداير بني مالك.. مدينة تعانق السحاب وتستشرف مستقبلها بمشروعات التنمية وجودة الحياة
من عاصمة البن السعودي إلى وجهة واعدة للسياحة الجبلية والاستثمار.. مشروعات بلدية تعيد تشكيل المكان وتستثمر مقوماته الطبيعية والتراثية
في أعالي القطاع الجبلي بمنطقة جازان، حيث تتعانق القمم مع السحاب، وتعبر خيوط الضباب مدرجات البن، وتختلط رائحة الأرض بندى الأشجار، تقف محافظة الداير بني مالك شامخة بهويتها الجبلية وإرثها الزراعي والتراثي، محتفظة بجمال المكان وذاكرة الإنسان، فيما تتطلع إلى مرحلة تنموية جديدة تفتح آفاقاً أوسع لجودة الحياة والسياحة والاستثمار.
فالداير ليست مجرد محافظة جبلية تتشكل ملامحها من المرتفعات والقرى الحجرية والمدرجات الزراعية، بل تمثل وجهة ذات مقومات اقتصادية وسياحية وثقافية متفردة، وفي مقدمتها البن السعودي الذي ارتبط باسمها وأرضها، وأصبح أحد رموز هويتها الوطنية، إلى جانب ما تمتلكه من طبيعة خلابة ومواقع سياحية وتراث إنساني عريق.
وفي ظل هذه المقومات، تتواصل الجهود البلدية لتطوير المشهد الحضري، ورفع كفاءة الطرق والمرافق العامة، وتأهيل الحدائق والمطلات، وتهيئة المواقع الاستثمارية والسياحية، بما يواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرامج جودة الحياة، ويعزز مكانة المحافظة بوصفها إحدى الوجهات الجبلية الواعدة في المملكة.
عمل بلدي يستحضر قيمة المكان
ويتولى المهندس سلطان بن محمد الأحمري رئاسة بلدية محافظة الداير، بعد تكليفه بالمنصب في أغسطس 2026م، مستنداً إلى خبرة ميدانية وإدارية في القطاع البلدي، من أبرز محطاتها رئاسته بلدية محافظة جزر فرسان منذ فبراير 2025م، بما اكتسبه من تجربة في إدارة العمل البلدي في البيئات ذات الخصوصية الطبيعية والسياحية.
وخلال زيارة ميدانية للمحافظة يوم الأحد الأول من نوفمبر 2026م، برزت ملامح الحراك البلدي منذ المدخل، حيث كانت أعمال الصيانة وإعادة التأهيل حاضرة في الحدائق والأرصفة، في مشهد يعكس توجهاً نحو تحسين البيئة الحضرية والارتقاء بالمرافق العامة.
وامتدت الجولة إلى مبنى البلدية الذي يخضع بدوره لأعمال الصيانة والترميم والتأهيل، بهدف تحسين بيئة العمل وتوفير مقر إداري أكثر ملاءمة لمتابعة المشروعات وتنظيم الأعمال الميدانية.
وفي مكتبه، استقبل رئيس البلدية الزيارة في أجواء عملية اتسمت بالبساطة والتركيز على العمل، فيما عكست حركة الفرق الميدانية وبرامج المتابعة اليومية طبيعة المرحلة التي تتطلب حضوراً مستمراً في مواقع التنفيذ، والوقوف على احتياجاتها، ومراقبة جودة الأعمال.
ورافق الجولة الإعلامي محمد المالكي، أحد أعضاء الفريق الميداني، مستعرضاً مواقع المشروعات والأعمال البلدية الجاري تنفيذها، ومقدماً صورة عن مسارات التطوير التي تشهدها المحافظة، وما تتطلبه طبيعتها الجبلية من حلول تتناسب مع تضاريسها واحتياجات سكانها وزوارها.
مشروعات بلدية تعزز كفاءة المكان
تتوزع المشروعات البلدية في محافظة الداير على عدد من المسارات الخدمية والتنموية، تشمل صيانة الطرق ورفع كفاءتها، وتحسين المداخل، وتعزيز عناصر السلامة المرورية، وتطوير الحدائق والمرافق العامة، إلى جانب تأهيل المواقع ذات القيمة السياحية.
وتشمل الأعمال صيانة الطرق في مركز عثوان، وأعمال الكشط وإعادة التأهيل للطريق العام بالمحافظة، وتنفيذ المصدات والحواجز الخرسانية في المواقع التي تتطلب تعزيز السلامة، فضلاً عن صيانة العبارات وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، بما يسهم في الحد من آثار السيول وتحسين مستوى الأمان على الطرق.
كما تتواصل أعمال تحسين مدخل المحافظة وتطوير دوار الداير، وتأهيل الحدائق العامة وحديقة المطل، إلى جانب تطوير مطل مركز الشجعة، وتنفيذ أعمال الإنارة في مركز جبال الحشر، بما يعزز الاستفادة من المواقع المرتفعة ويهيئها لاستقبال الأهالي والزوار.
وتكتسب هذه المشروعات أهمية إضافية بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية للمحافظة، إذ تتطلب الطرق والمنشآت والمرافق العامة حلولاً هندسية وخدمية تراعي الانحدارات الجبلية وتنوع التضاريس، وتحقق التوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على البيئة الطبيعية.
البن السعودي.. هوية زراعية وفرصة اقتصادية
وتتقدم زراعة البن السعودي قائمة المقومات التي تمنح الداير مكانتها الوطنية، إذ ارتبطت أشجار البن بمدرجاتها الجبلية، وبخبرات زراعية توارثتها الأجيال، حتى أصبحت المحافظة إحدى أبرز مناطق إنتاج البن في المملكة.
وتضم الداير أكثر من 122 ألف شجرة بن، يعتني بها نحو 657 مزارعاً، بإنتاج سنوي يقدر بنحو 500 طن، وفق البيانات الواردة عن القطاع الزراعي بالمحافظة.
وعلى مستوى منطقة جازان، تشير البيانات إلى وجود أكثر من 1985 مزرعة للبن، تضم نحو 340 ألف شجرة، بإنتاج يقدر بنحو 1320 طناً سنوياً، ما يعكس أهمية القطاع الجبلي في دعم إنتاج البن السعودي وتعزيز حضوره ضمن المنتجات الزراعية الوطنية.
ولم تعد مزارع البن مواقع للإنتاج الزراعي فحسب، بل تحولت إلى وجهات للسياحة الريفية والتجارب الثقافية، حيث يتعرف الزوار على طرق الزراعة والحصاد والمعالجة والتحميص، وما يصاحبها من عادات اجتماعية وموروث ثقافي يعكس علاقة الإنسان بأرضه.
كما أسهمت المبادرات والشراكات مع الجهات المعنية، ومنها أرامكو السعودية وهيئة فنون الطهي والجهات العاملة في قطاع البن، في دعم المزارعين وتطوير أساليب الري، وتوفير الشتلات المحسنة، والارتقاء بجودة الإنتاج، وتعزيز إمكانات المعالجة والتسويق.
وتتجاوز الفرص الاقتصادية للبن مرحلة الإنتاج إلى مجالات التصنيع والتعبئة، وتطوير العلامات التجارية المحلية، وإنشاء منافذ التسويق والمقاهي المتخصصة، وربط المزارع بمسارات السياحة الزراعية، بما يسهم في بناء سلسلة قيمة اقتصادية توفر فرصاً استثمارية ووظيفية لأبناء المحافظة.
السياحة الجبلية.. ثروة طبيعية تنتظر الاستثمار
وتملك الداير مقومات تؤهلها لتكون إحدى أبرز وجهات السياحة الجبلية والبيئية في منطقة جازان، بما تتميز به من مرتفعات شاهقة، ومناخ معتدل في مواسم عديدة، ومدرجات زراعية، وقرى تراثية، وحصون حجرية تختزن ملامح من تاريخ الإنسان الجبلي وطرائق عيشه وفنون بنائه.
وتتيح هذه المقومات فرصاً متنوعة لتطوير المنتج السياحي، تشمل المنتجعات الجبلية، والنزل الريفية، والمقاهي المطلة، ومرافق الضيافة، ومسارات المشي والاستكشاف، والأنشطة المرتبطة بالبيئة والتراث والزراعة.
وفي هذا السياق، تبرز فرص تطوير مشروعي منتجع البن ومنتجع الضباب بجبال الحشر، بوصفهما من النماذج المقترحة لاستثمار الخصائص الطبيعية للمحافظة، وتقديم تجارب سياحية تتجاوز الزيارة العابرة إلى الإقامة والتفاعل مع البيئة المحلية.
كما يمكن للمواقع المطلة، وفي مقدمتها مطل مركز الشجعة وحديقة المطل، أن تشكل نقاط جذب رئيسية عند استكمال خدماتها ومرافقها، وتنظيم الفعاليات السياحية فيها، وتوفير خيارات الضيافة والترفيه التي تستلهم طبيعة الجبال وخصوصية المجتمع المحلي.
فالزائر الذي يقصد الداير لا يبحث عن مشهد الضباب وحده، بل عن تجربة متكاملة تبدأ من الطريق، وتمتد إلى المزرعة والقرية التراثية والمطل، وتنتهي بمنتج سياحي يعكس أصالة المكان وكرم أهله.
الاستثمار البلدي.. شراكة تصنع الفرص
ويمثل الاستثمار البلدي أحد المسارات المهمة لتنشيط الاقتصاد المحلي، وفي هذا الإطار طرحت بلدية محافظة الداير 11 موقعاً استثمارياً داخل المحافظة، في خطوة تستهدف توسيع مشاركة القطاع الخاص والاستفادة من الأصول البلدية في إقامة مشروعات خدمية وسياحية وتجارية.
وتشمل المجالات الاستثمارية الممكنة السياحة الريفية والمنتجعات الجبلية، والمقاهي والمطاعم، والخدمات الترفيهية، والمشروعات المرتبطة بالبن والمنتجات الزراعية، إلى جانب المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تفتح المجال أمام أبناء المحافظة للمشاركة في النشاط الاقتصادي وريادة الأعمال.
وتتطلب الاستفادة المثلى من هذه الفرص تكامل الأدوار بين البلدية والمستثمر والمجتمع المحلي؛ من خلال تهيئة المواقع والبنية الأساسية، وتقديم منتجات وخدمات سياحية ذات جودة، وتشجيع المبادرات المحلية، بما ينعكس على توفير فرص العمل وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الحركة الاقتصادية.
كما تبرز أهمية ربط المواقع الاستثمارية بمسارات سياحية متكاملة تجمع مزارع البن والقرى التراثية والمطلات والمنتجعات، لتتحول المحافظة إلى وجهة تستقطب الزوار على مدار العام، وتستفيد من إنفاقهم قطاعات الإيواء والنقل والمطاعم والحرف والمنتجات المحلية.
متابعة ميدانية وطموح يتجاوز حدود الخدمات
وفي قلب هذه التحولات، يبرز دور بلدية محافظة الداير في ترجمة الخطط والمشروعات إلى أعمال ملموسة على الأرض، من خلال متابعة تنفيذ المشروعات، وتحسين الطرق والمداخل والحدائق والمطلات، وتهيئة المواقع الاستثمارية والسياحية، والارتقاء بالخدمات البلدية.
ويعمل المهندس سلطان بن محمد الأحمري وفريق البلدية على متابعة متطلبات العمل الميداني وتسخير الإمكانات المتاحة لتحسين مستوى الخدمات، مع أهمية مواصلة التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والقطاع الخاص، بما يحقق تكاملاً في المشروعات ويعزز أثرها التنموي.
وتظل المتابعة الميدانية أحد العناصر المهمة في نجاح العمل البلدي، خصوصاً في محافظة ذات طبيعة جبلية تتباين فيها الاحتياجات من مركز إلى آخر، وتتطلب حلولاً تتناسب مع الخصائص الجغرافية والبيئية، وتضع سلامة السكان وجودة الخدمات في مقدمة الأولويات.
الداير.. مستقبل يليق بذاكرة الجبل
إن ما تمتلكه الداير بني مالك من مقومات طبيعية وزراعية وتراثية يجعلها أمام فرصة تنموية تتجاوز تنفيذ المشروعات الخدمية إلى بناء وجهة متكاملة للسياحة والاستثمار وجودة الحياة.
فالجبل الذي احتضن الإنسان وأمده بالأرض والماء والبن، يستحق أن تتحول قممه إلى وجهات سياحية منظمة، وأن تجد قراه التراثية مساراً للاستثمار الثقافي، وأن تصبح مدرجاته الزراعية جزءاً من تجربة سياحية واقتصادية تحفظ هوية المكان وتصون جماله.
ولا تقاس التنمية بعدد المشروعات المنفذة وحدها، بل بما تحدثه من أثر في حياة الإنسان، وما تتيحه من فرص لأبناء المحافظة، وما تضيفه إلى اقتصادها وخدماتها ومستقبل أجيالها.
وهكذا تمضي الداير بني مالك نحو مرحلة جديدة، تستند إلى إرثها العريق وتستثمر مقوماتها المتفردة؛ فمن عاصمة البن السعودي إلى وجهة للسياحة الجبلية والاستثمار النوعي، تملك المحافظة عناصر حقيقية لصناعة مستقبلها.
وبين مدرجات البن ووشاح الضباب، وبين ذاكرة القرى الحجرية ومشروعات التنمية الحديثة، تتشكل حكاية مكان يؤكد أن المحافظة على الهوية لا تتعارض مع التطور، وأن جمال الطبيعة حين يلتقي بالتخطيط الجيد والاستثمار المسؤول، يصبح رافداً للتنمية





















