مقالات

ثورة التقنية الحديثة ومستقبل الإنسان

صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتبه: شمايل المطيري

لم نعد نسأل: هل ستأتي ثورة التقنية؟ لأننا نعيش في قلبها.

كنا بالأمس نبحث عن المعلومة في بطون الكتب، ونقطع المسافات لنصل رحماً، وننتظر أياماً لنعرف خبراً. اليوم، المعلومة تأتينا قبل أن نسأل عنها، والعالم كله في كف يدنا. هذه ليست نقلة، هذه ثورة هادئة غيرت شكل الإنسان دون أن يشعر.

لقد منحَتنا التقنية أجنحة. طبيب في الرياض يشخص مريضاً في قرية نائية عبر شاشة، وطالب في جدة يتعلم من جامعة في طوكيو وهو على سريره، ومزارع يسقي أرضه بهاتفه. اختصرنا الزمن، وقهرنا المسافة، وهذا إنجاز لا يمكن لأحد أن ينكره. التقنية جعلت الحياة أسهل، وأوسع، وأسرع.

ولكن، وكل ثورة لها وجهان، علينا أن نتوقف قليلاً ونسأل بصدق: ماذا أخذت منا هذه الثورة كما أعطتنا؟

أخذت منا شيئاً من هدوئنا. أصبحنا متصلين دائماً، وقلقين دائماً. نستيقظ على إشعارات، وننام على إشعارات. أخذت منا بركة الجلوس الطويل مع من نحب بلا هواتف. وأخذت منا متعة التعب في سبيل المعرفة، فصرنا نريد كل شيء جاهزاً وسريعاً.

وهنا يكمن مستقبل الإنسان. المستقبل ليس للآلة الأذكى، بل للإنسان الأوعى.

الذكاء الاصطناعي سيكتب، ويرسم، ويحلل، ويترجم، ولكن هل سيشعر؟ هل سيعرف معنى أن تدمع عين أم فرحاً بنجاح ابنها؟ هل سيفهم قيمة كلمة “أبشري” حين تقال بصدق؟

مستقبل الإنسان لن يصنعه من يملك أحدث جهاز، بل من يملك أصدق فكرة، وأنقى قلب، وأوضح هدف.

نحن لا نحتاج أن نخاف من التقنية، ولا أن نهرب منها. نحتاج أن نروضها. أن نضعها في مكانها الصحيح: خادمة ذكية، لا سيدة متسلطة.

علموا أبناءكم كيف يستخدمون التقنية، ولا تدعوا التقنية هي من تستخدمهم. علموهم أن القلم الفخم في الجيب لا قيمة له إن لم يكتب فكرة، وأن الساعة الفخمة في اليد لا قيمة لها إن لم تحترم الوقت، وأن الابتسامة الخفيفة الصادقة أغلى من كل فلاتر العالم.

الثورة التقنية مستمرة، والمستقبل قادم لا محالة، ولكن الإنسان سيبقى هو الأصل، هو القصة، هو المعنى.

والآلة مهما تطورت، ستبقى مجرد أداة في يد إنسان يعرف لماذا خُلق، وإلى أين يريد أن يذهب.

وما أحوجنا اليوم إلى إعلامٍ يبصر لا يبهر، يوعي لا يلهي، يقود لا ينقاد. إعلام يذكرنا أن خلف كل شاشة إنسان، وخلف كل خوارزمية قلب ينبض.
فالتقنية قد تمنحنا سرعة الوصول، لكنها لن تمنحنا حكمة الاختيار.
قد تمنحنا المعلومة، لكنها لن تمنحنا البصيرة.
وهنا يأتي دور الكلمة الصادقة، والرسالة النبيلة، التي كانت وستظل هي الثورة الحقيقية التي تغير الإنسان من الداخل قبل أن تغير العالم من حوله.
فليكن شعارنا: نستخدم التقنية ولا تديرنا، نملكها ولا تملكنا، ونبقى نحن الإنسان أولاً وأخيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى