
التفاؤل وعمارة الأرض في زمن القلق
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: د ٠ ماهر محمد جعفر
قد يفتح الإنسان هاتفه ليعرف ما يجري في العالم، ثم يغلقه وقد ضاق عليه عالمه الصغير. أخبار حروب، وتوقعات مفزعة، وأصوات تتحدث عن المستقبل كأن أسوأ احتمالاته قد أصبحت واقعًا. ومع تكرار هذا المشهد، قد يؤجل المرء مشروعًا، أو يفقد حماسته لعمل، أو يجلس بين أهله وجسده معهم وفكره مشغول بمصيبة لم تقع. وهنا يستحق الأمر أن نسأل: ماذا نصنع بما نعرف، وكيف نحفظ قدرتنا على الحياة والعطاء؟
تُظهر دراسات نفسية طولية ارتباطًا بين كثافة متابعة التغطيات الإعلامية لأحداث العنف وارتفاع الضيق النفسي؛ وقد يدفع القلق إلى مزيد من المتابعة، فتستمر دائرة الاستنزاف. وتتفاوت هذه الاستجابات بين الأفراد. لذلك يحتاج وعينا إلى معلومة موثوقة تعيننا على التصرف، وإلى حدود تحفظ وقتنا وانتباهنا. فتكرار المشهد المخيف لا يجعل توقعاته أكثر يقينًا، وقد يترك الإنسان أقل استعدادًا لأداء واجباته القريبة.
وفي الهدي النبوي ما يعيد إلى الكلمة وظيفتها الطيبة؛ قال رسول الله ﷺ: «ويعجبني الفأل»، ولما سُئل عنه قال: «كلمة طيبة»؛ متفق عليه. فالفأل يسرّ النفس ويقوّي رجاءها، مع بقاء الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب. وقد نهى النبي ﷺ عن الطيرة؛ فلا تتحول المصادفات والمشاهد المكروهة إلى نذر تحكم قراراتنا. أما التحذير المبني على دليل، وتقدير المخاطر بقصد الوقاية، فمن الوعي الذي نحتاج إليه.
ولنا في يعقوب عليه السلام درس إنساني بليغ؛ فقد عرف الحزن، وبقي قلبه متعلقًا بفرج الله، وقال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧]. جمع لهم بين السعي والرجاء؛ اذهبوا وابحثوا، واحفظوا الأمل برحمة الله وفرجه. فالحزن الطبيعي لا يناقض الإيمان، والمؤمن يجد في إيمانه ما يعينه على حمل ألمه ومواصلة واجبه.
ويمنحنا الإيمان غاية تستقيم بها نظرتنا إلى الحياة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومن طاعته سبحانه الإحسان إلى خلقه، وأداء الأمانة، والسعي في مصالح الناس. وقال تعالى على لسان صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. فإتقان العمل، وتربية الأبناء، وصيانة الموارد أعمال نرجو أجرها متى صلحت النية واستقام العمل على ما يرضي الله.
ويتجلى معنى المبادرة في قوله ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». رواه البخاري في «الأدب المفرد»، وصححه الألباني. وفي هذا التوجيه حث عظيم على فعل الخير ما دام ممكنًا؛ حتى إن فسيلة صغيرة تظل جديرة بأن تمتد إليها يد عاملة في أشد اللحظات. فكيف نتخلى عن واجبات يومنا استسلامًا لتوقعات بشرية قد تصيب وقد تخطئ؟
وللفسيلة في واقعنا صور كثيرة. قد تكون شجرة ملائمة لبيئتها نغرسها ونتعهدها، أو غطاءً نباتيًا نحمي تجدده، أو ماءً نصونه من الهدر. وقد تكون معرفة نافعة ننقلها، أو عملًا نتقنه فينتفع به غيرنا. وكلما أحسن الإنسان رعاية ما حوله، صار رجاؤه فعلًا له أثر. وتلك صلة عميقة بين سلامة السلوك وعمارة البيئة؛ أن يشعر المرء بأن له نصيبًا من مسؤولية المكان الذي يعيش فيه.
ومن هذه المسؤولية اختيار الصحبة وما نسمح له بالدخول إلى وعينا. نقترب ممن ينصح بصدق، ويعين على الحل، ويحفظ للناس كرامتهم، ونخفف مجالس السخرية والخصومة وإعادة تدوير الإحباط. ونظل أوفياء لمن أثقلته الحياة؛ نواسي المحزون ونساند المتعثر. فاختيار المحيط الطيب يجتمع مع الرحمة بالمبتلى، ولا يبيح تصنيف الناس بقسوة أو التعالي عليهم. والمحبة والتآخي وحسن المعاملة مما نعمر به حياتنا المشتركة.
وللمتابعة الواعية أدب يحفظ هذا التوازن: نتحقق قبل النشر، ونميز الخبر من الرأي والتوقع، ونرجع في التحذيرات إلى الجهات المختصة، ونترك من يومنا مساحة للأسرة والعمل والراحة. وحين تعيننا المعلومة على إجراء نافع نأخذ بها، وحين تصبح المتابعة تكرارًا يستنزفنا نمنح أنفسنا فرصة للانصراف إلى ما ينفع. فحماية الوقت والانتباه تساعد الإنسان على الوفاء بمسؤولياته، وتبقيه قادرًا على مساندة الآخرين.
وتتجدد طمأنينة القلب بالصلاة في وقتها، والمحافظة على السنن، وتلاوة القرآن، والذكر والدعاء وشكر النعم؛ قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. ومعها نمضي في الأسباب النافعة، امتثالًا لقوله ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ رواه مسلم. إنها وصية تصل القلب بربه، وتوجه الجهد إلى ما يستطيع الإنسان إصلاحه، وتعينه على استقبال يومه برجاء وعمل.
فلنسأل أنفسنا في آخر اليوم: أي خير أضفناه؟ ربما أصلحنا خلافًا، أو خففنا عن إنسان، أو حفظنا موردًا، أو أدينا عملًا بأمانة. بهذه الأعمال يستعيد اليوم قيمته، ويصبح التفاؤل سلوكًا يراه الناس وينتفعون به. والغد من الغيب، أما الخير الذي نستطيعه اليوم فهو باب مفتوح. فلنغرس ما في أيدينا، مخلصين لله، راجين رحمته وجنته، ولنترك لمن يأتي بعدنا أرضًا أصلح، وذكرًا طيبًا، وأثرًا ينفع.
ونصيحتي لكل قارئ: تجنّب متابعة المحبطين والإنصات لمن يزرعون اليأس ويهوّلون المستقبل؛ فسمعك ووقتك أمانة. خذ المعلومة من مصادرها الموثوقة، وصاحب من يعينك على حسن الظن بالله، وفهم الواقع بوعي، والعمل فيما ينفعك وينفع الناس.




