
حين يستيقظ الوعي العربي
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: ماجد عبدالله دغريري
لم يكن الوعي العربي يوماً مجرد ترف فكري أو تمرين ثقافي فوق رفوف المكتبات، بل هو محرك التاريخ وصانع التحولات الكبرى في هذه المنطقة التي تقف دائماً عند عين العاصفة العالمية. والحديث عن استيقاظ هذا الوعي ليس نبوءة حالمة، بل هو قراءة متأنية في السطور غير المرئية لحركة المجتمعات، ورصد للمخاض العسير الذي يسبق دائماً ولادة الفجر الجديد.
لعقود طويلة، تعرض العقل الجمعي العربي لمحاولات تخدير ممنهجة ومتعددة الأدوات؛ من إغراقه في معارك هامشية وصراعات فرعية، إلى حصاره بأزمات معيشية واقتصادية تستهلك طاقته اليومية، وصولاً إلى ضخ إعلامي غربي وإقليمي يحاول صياغة وعيه وفق أجندات غريبة عن هويته ومصالحه
الاستيقاظ لا تأتي بقرار فوقي، بل تولد من رحم “الصدمات الاستراتيجية”. الأحداث العاصفة التي شهدتها وتكابِدها المنطقة—سياسياً وعسكرياً ومعرفياً—أحدثت شروخاً عميقة في جدار السرديات المزيفة. لقد أدرك الإنسان العربي، من المحيط إلى الخليج، أن ثمن غياب الوعي هو الضياع، وأن الاعتماد على وعي مستورد هو انتحار حضاري معلن.
إن الوعي العربي المستيقظ اليوم لا يشبه وعي الستينيات أو السبعينيات القائم على الشعارات الرنانة والعاطفة الجياشة؛ بل هو وعي نقدي، رقمي، وعابر للحدود
تجلى هذا الوعي في القدرة الفائقة للأجيال الشابة على تفكيك الخطاب الإعلامي الغربي، وكشف ازدواجية المعايير الدولية تجاه القضايا العربية العادلة.
لم يعد المواطن العربي مجرد مستهلك متلقٍ لما تبثه خوكالات الأنباء العالمية، بل تحول إلى “صانع محتوى” يفرض روايته وصورته على شاشات العالم.
تراجع الانبهار الأعمى بالنماذج الجاهزة، وحل محله تمسك ذكي بالهوية والثوابت، متسلحاً بأدوات العصر من تقنية ولغات ومعرفة.
هذا التحول الجوهري يضعنا كإعلاميين ومثقفين أمام مرآة الحقيقة. فحين يستيقظ الوعي العربي، لا يعود بالإمكان مخاطبته بالأدوات التقليدية أو السطحية. إن الجمهور المستيقظ لا يُقاد بالشائعات، ولا تُرضيه “أنصاف الحقائق”.
إن المهمة الإستراتيجية للإعلام العربي اليوم هي تأطير هذا الوعي وتحصينه. تحصينه ضد اليأس والإحباط، وضد الاختراق السيبراني والمعلوماتي، وتحويل الوعي العاطفي المؤقت إلى “وعي مؤسساتي مستدام” يترجم إلى مشروعات نهضوية في الاقتصاد، التعليم، التكنولوجيا، والفن.
إن استيقاظ الوعي العربي هو الكابوس الأكبر لكل القوى التي تريد لهذه المنطقة أن تظل مجرد سوق استهلاكي أو ساحة لتصفية الحسابات الدولية. قد يتباطأ هذا الاستيقاظ بفعل الأزمات، وقد يتعثر في بعض المنعطفات، لكنه مسار حتمي لا يمكن عكس اتجاهه.
حين يستيقظ الوعي العربي بالكامل، تتغير جغرافيا المنطقة السياسية والفكرية؛ تصبح الكلمة سلاحاً، والوحدة هدفاً حقيقياً، والمستقبل صناعة محلية بأيدٍ عربية. والرهان اليوم هو ألا نكون مجرد شهود على هذه اللحظة، بل أن نكون وقودها الحقيقي ومنارتها التي تبدد عتمة الطريق



