تقارير

سوق النفيعة في فيفا.. ثلاثة قرون من ذاكرة الجبال وأسئلة المستقبل

في أعالي جبال فيفا، حيث تتكئ القرى على أكتاف الجبال، وتتشابك الممرات الحجرية مع أشجار البن والمدرجات الزراعية، لا تبدو الأسواق القديمة مجرد أماكن للبيع والشراء؛ إنها ذاكرة مفتوحة، تختزن حكايات الناس، وتحفظ ملامح حياتهم، وتروي كيف صنعت الجغرافيا علاقات المجتمع واقتصاده وثقافته. هناك، في سوق النفيعة الشعبي، لا تزال الحجارة تستعيد وقع الخطوات القديمة، وتحتفظ المحال بأصداء مواسم التجارة ولقاءات الأجيال، فيما تقف شجرة «التالقة» شاهداً طبيعياً على زمن يتجاوز عمر الإنسان وذاكرته.

منذ أكثر من ثلاثة قرون، ظل سوق النفيعة أحد أبرز مراكز الحياة التجارية والاجتماعية في القطاع الجبلي بمنطقة جازان، إذ تشير الروايات المحلية إلى أن تأسيسه يعود إلى الفترة ما بين عامي 1140 و1150هـ، ليغدو ملتقى لأهالي فيفا وسكان القرى والقبائل المجاورة، ومحطة يقصدها المتسوقون من مناطق أخرى، من بينها محافظة أبو عريش. ولم يكن السوق في تاريخه مجرد مساحة لتبادل السلع، بل كان فضاءً تتقاطع فيه الأخبار والخبرات والعلاقات الإنسانية، وتنتقل عبره العادات والمعارف والموروثات الشعبية.

ويحتفظ السوق حتى اليوم بملامحه العمرانية التقليدية، حيث تنتظم المحال على جانبي ممرات مرصوفة بالحجر، وتحيط بها مبانٍ شُيّدت من الحجر المحلي، في صورة تعكس قدرة الإنسان الجبلي على تطويع موارده الطبيعية وبناء بيئة تتلاءم مع تضاريس المكان ومناخه. وتتنوع المعروضات بين الأواني الفخارية، والفوانيس، وأدوات إعداد القهوة، والمقتنيات المنزلية القديمة، والملابس الشعبية، والسلال المنسوجة، إلى جانب المنتجات الزراعية التي تشتهر بها فيفا، وفي مقدمتها البن الخولاني والعسل الطبيعي والدخن والسمن البلدي.

وتتجاوز قيمة هذه المقتنيات وظيفتها الاستعمالية؛ فهي شواهد مادية على تفاصيل الحياة اليومية، ووسائل توثق أنماط المعيشة والزراعة والبناء، وتمنح الزائر فرصة الاقتراب من تاريخ المجتمع المحلي بعيداً عن الروايات المجردة. فكل قطعة تحمل حكاية استخدام، وكل أداة تستعيد جانباً من علاقة الإنسان ببيئته الجبلية.

وفي قلب هذا المشهد تقف شجرة «التالقة»، التي يُقدّر عمرها بأكثر من 700 عام، وتنمو بين الصخور على ارتفاع يزيد على 2000 متر فوق سطح البحر. وقد ارتبطت بمواسم السوق ولقاءات الأهالي وتعاقب الأجيال، حتى أصبحت أحد أبرز معالم المكان ورموزه في الذاكرة المحلية، بما تمثله من دلالة على استمرارية الحياة وتماسك العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

وعند مدخل السوق، تتصدر صور يحيى بن حسين الفيفي، الذي يستحضر في حديثه تاريخ هذا المعلم ومكانته، مؤكداً أن سوق النفيعة يُعد أول سوق في القطاع الجبلي، وأن عمره التاريخي يقارب 350 عاماً، وقد شكّل على امتداد تاريخه مركزاً تجارياً يخدم أهالي فيفا والقبائل المجاورة ومرتاديه من محافظة أبو عريش. وأشار إلى استمرار نشاط السوق، وما شهده في السنوات الأخيرة من زيادة في أعداد الزوار، مدفوعاً بتحسن شبكة الطرق وسهولة الوصول إلى المحافظة.

وتتصل المحافظة على هذا الإرث، بحسب سليمان جبران الفيفي، بصون عناصره المعمارية والتراثية، من خلال ترميم المباني الحجرية والمحافظة على تفاصيلها الأصلية، وإحياء الحرف التقليدية، بما يعزز القيمة التاريخية للسوق ويضمن استمرار حضوره بوصفه أحد المواقع التراثية المهمة في جبال فيفا.

ومن داخل السوق، دكان عبده المخشمي الفيفي، الذي أمضى قرابة 60 عاماً في العمل فيه، شهادة حية على تحولات المكان واستمرارية نشاطه؛ إذ يلفت إلى أن بعض المقتنيات التراثية المعروضة يتجاوز عمرها 120 عاماً، وتشمل الفوانيس والأواني وأدوات البناء التقليدية وغيرها من القطع التي تستقطب اهتمام الزوار والباحثين والمهتمين بالتراث، لما توثقه من تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الماضي.

بين أصالة المكان ومتطلبات الزائر

ومع احتفاظ سوق النفيعة بطابعه التاريخي، بدأت ملامح النشاط المعاصر تتداخل مع صورته التقليدية؛ إذ لم تعد تجربة الزائر مقتصرة على مشاهدة المقتنيات وشراء المنتجات الشعبية، بل امتدت إلى خدمات الضيافة والقهوة، وما تشهده من تطور في تجهيزاتها وأدوات إعدادها، ووجود مختصين قادرين على تقديم تجارب متنوعة تلبي أذواق الزوار، في مشهد يجمع بين أصالة القهوة السعودية ومتطلبات الخدمة الحديثة.

غير أن تنامي الحركة السياحية في فيفا يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من تطوير السوق، لا تتعارض مع هويته التراثية، بل تستثمر مقوماته وتضيف إليها. ومن هنا تبرز أهمية إيجاد نوافذ استثمارية مدروسة، واستقطاب شركات ومشغلين متخصصين لتطوير الخدمات المساندة، وإتاحة نقاط بيع للأكلات المحلية والوجبات السريعة والآيس كريم والمشروبات والمنتجات التي تتوافق مع احتياجات العائلات والسياح الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى هذه الوجهة الجبلية.

كما يمكن أن يشكل تنظيم الفعاليات الموسمية، وتخصيص مساحات للحرفيين والأسر المنتجة، وإبراز منتجات البن والعسل والزراعة الجبلية، وإثراء تجربة التسوق والضيافة، فرصاً لتعزيز العائد الاقتصادي للسوق، وفتح مجالات عمل لأبناء المحافظة، وربط المنتجات المحلية بالإنفاق السياحي، بما يدعم استدامة النشاط التجاري ويحافظ على خصوصية المكان.

ويظل التحدي الأهم في تحقيق التوازن بين التطوير والمحافظة؛ فالسوق الذي استمد قيمته من عمارته الحجرية وذاكرته الاجتماعية لا يحتاج إلى تغيير هويته بقدر حاجته إلى تحسين خدماته، وتهيئة مرافقه، وتطوير تجربة زواره، وفق ضوابط تحفظ طابعه المعماري وتمنع تحول مكوناته التراثية إلى عناصر تجارية منفصلة عن سياقها التاريخي.

ويأتي سوق النفيعة ضمن منظومة المقومات التاريخية والطبيعية التي تزخر بها منطقة جازان، وتمنحها تنوعاً ثقافياً وسياحياً يمتد من السواحل والجزر إلى المرتفعات الجبلية. وتمثل المحافظة على هذه المواقع وإعادة تقديمها للزوار فرصة لتعزيز السياحة الثقافية، وإثراء المنتجات السياحية، وربط التراث المحلي بمستهدفات التنمية السياحية ورؤية المملكة 2030.

وبين شجرة التالقة التي عاصرت قروناً من التحولات، والممرات الحجرية التي لا تزال تحفظ ملامح السوق، تقف النفيعة أمام فرصة لتجديد حضورها؛ فالمطلوب ليس أن يصبح السوق نسخة من الأسواق الحديثة، بل أن يظل سوقاً يشبه فيفا، يحمل روحها وذاكرتها، ويستقبل زوارها بخدمات تليق بمكانتها السياحية. فالأماكن التاريخية لا تعيش بطول عمرها وحده، وإنما بما نمنحه لها من عناية، وما نفتح أمامها من آفاق تجعل الماضي جزءاً حياً من المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى