
ترانيم السمراء في وادي الخَشْل
في تفاصيل الذاكرة زوايا لا تطويها الأيام، وثمة أمكنة تعيد صياغة مشاعرنا من النظرة الأولى. كانت زيارتي لـ قرية الخَشْل بمحافظة الحُرّث بمثابة عبور إلى عالمٍ موازٍ، حيث تلتقي طبيعة جازان البكر بسحر الحكايات العذبة، وهناك، بين خضرة الأرض وصفاء السماء، ولدت لي قصة عشق لم تكن على البال.
أتذكر ذلك اليوم وكأنه أمس؛ كانت الساحة الخضراء الممتدة تبدو كسجادة نسجتها يد القدر بعناية، يمر من خلالها مجرى مائي ينساب في تؤدة، عاكسًا خيوط الشمس الدافئة، وعازفًا لحنًا هادئًا يملأ المكان سكينة. وسط هذا النقاء الطاغي،
ظهرت هي؛ فتاة سمراء جميلة ترعى أغنامها، ملامحها مستوحاة من أصالة الأرض وسمرتها الجذابة اللامعة كحبة القهوة الخولانية.
لم يكن لقاءً عابرًا، بل كان خطفًا للقلب من النظرة الأولى. كانت تتحرك بخفة ورشاقة بين العشب الأخضر، تتبعها الرعية في تناغم مذهل، وكأنها ملكة توجتها الطبيعة على هذا الوادي الخصيب. سمرتها الساحرة، وعيناها اللتان تحملان عمقًا يشبه غموض الأودية وجمالها، جعلتني أقف متأملًا، عاجزًا عن الكلام، مأخوذًا بجمالٍ يجمع بين بساطة الريف وكبرياء الطبيعة.
لقد تركت في قرية الخشل نبضًا من قلبي، وظلت تلك الفتاة السمراء، وهي ترعى غنمها وسط جريان الماء، الصورة الأجمل التي تختزل معنى الحب النقي، العفوي، الذي يولد في لحظة ويخلد في الذاكرة إلى الأبد
ليس الحب فقط قد اختفى وخلد بالذاكرة فحتى القرية نفسها فقد تحولت من زهرة المحافظة إلى صمت النزوح
لقد كانت كانت قرية الخِشِل، التابعة لمحافظة الحرث في منطقة جازان، نابضة بالحياة، وتُعد واحدة من أجمل قرى المنطقة بفضل طبيعتها البكر، ومزارعها الخضراء، وأوديتها التي تجري بالخير. كانت الخشل تجسد ملتقى للأهالي، وموطناً للأنشطة الاجتماعية والزراعية التي ميزت قطاع الحرث لسنوات طويلة.
اليوم، تبدل الحال وتحولت تلك الصورة الجميلة إلى واقع مغاير تماماً؛
فبعد نزوح أهلها وهجران منازلهم ومزارعهم بسبب الظروف الحدودية والأمنية التي استدعت إخلاء القرية غابت أصوات الأهالي، وخلت الأزقة من حركتها المعتادة، وزحفت النباتات البرية لتغطي معالم البيوت والأراضي التي كانت يوماً ما مصدراً للرزق والبهجة. تحول المكان إلى مساحات خاوية تروي قصة الفراق والغياب، وتحمل بين طيات صمتها ذكريات مجتمع ريفي عريق اضطر لترك أرضه وأهله والحب الذي كان يجمع بينهم











