
عبدالله اللغبي.. فنٌّ يروّض اللون، ويُطلق الخيال، ويمنح المدن قلبًا واحدًا لوحةًالعبور».. من سكون السجاد إلى أجنحة الخيال؛ حكايةُ فنٍّ يعبر بنا إلى ما وراء المكانقراءة فنية في لوحة الفنان التشكيلي عبدالله اللغبي
شارك الفنان التشكيلي عبدالله اللغبي في معرض الذي نظمته الجمعية العربية السعودية للفنون والثقافة بجازان بمناسبة اليوم الوطني 96 والتي اثارت الانتباه
فليست كلُّ لوحةٍ تُرى بالعين؛ فبعضها تُبصرها الروح قبل أن تلتقطها العين، وتقرأها الذاكرة قبل أن يفسّرها العقل. ومن هذا النوع تأتي «لوحة العبور» للفنان عبدالله اللغبي؛ لوحةٌ لا تقف عند حدود اللون والشكل، وإنما تفتح للمتلقي نافذةً على عالمٍ تتهاوى فيه الحواجز بين المكان والحلم، وبين المدينة والذاكرة، وبين الأرض والسماء.
في قلب اللوحة حصانٌ مجنّح، كأنما خرج من أساطير الإنسان الأولى، حين كان يحلم أن يمنح الأرض جناحين، وأن يجعل للخطوة قدرة الطيران. يمضي الحصان في فضاءٍ لا تعترف حدوده بما رسمته الخرائط،
وكأن الفنان يقول لنا: إن للجغرافيا حدودًا حين تُرسم على الورق، لكنها لا حدود لها حين تسكن الخيال.
ولعل أجمل ما في هذا الحصان أنه لا يبدو هاربًا من الأرض، بل عابرًا بها؛ يحمل المدن في جناحيه، ويجمع الرياض والكويت وجازان في فضاءٍ واحد، حتى تبدو الأبراج والمعالم خلفه كأنها ذكرياتٌ مضيئة في كتابٍ واحد، تتعانق صفحاته رغم اختلاف الأمكنة.
فالرياض هنا ليست مدينةً فحسب، والكويت ليست جغرافيا عابرة، وجازان ليست جنوبًا بعيدًا؛ إنما هي وجوهٌ متعددة لذاكرةٍ خليجية وعربية، تتجاور فيها الحداثة مع الأصالة، ويصافح البحرُ الجبل، وتلتقي المدينة بتراثها، ويظل الإنسان هو الخيط الذي يصل بين كل هذه الأمكنة.
وحين نتأمل أجنحة الحصان، نشعر أن الفنان لم يمنحهما للطيران وحده، بل منحهما للعبور؛ عبور المسافات، وعبور الأزمنة، وعبور الإنسان من ضيق المكان إلى رحابة المعنى.
وهنا تتجلى شاعرية العمل؛ فالأبراج في الخلفية لا تنافس الحصان على البطولة، بل تبدو كأنها شواهد صامتة على رحلةٍ طويلة، تقول إن المدن مهما ارتفعت مبانيها، فإنها تظل بحاجة إلى ذاكرةٍ تحفظ روحها، وفنٍّ يعيد إليها إنسانيتها.
إن «العبور» ليست لوحةً عن حصانٍ يطير، وإنما عن حلمٍ يرفض أن يمشي على قدمين فقط. إنها دعوةٌ لأن ننظر إلى المدن لا بوصفها حدودًا تفصلنا، بل جسورًا تصلنا؛ وإلى الفن لا بوصفه لونًا يُعلَّق على جدار، بل لغةً تستطيع أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
لقد أجاد عبدالله اللغبي حين جعل للحصان جناحين، وللمدن ذاكرةً مشتركة، وللجغرافيا روحًا تتجاوز الخرائط.
وهكذا تظل اللوحة معلّقةً أمامنا، فيما يبدو الحصان وكأنه لا يغادرها، بل يغادر بنا نحن؛ يأخذنا من مدينةٍ إلى مدينة، ومن ذكرى إلى ذكرى، ومن واقعٍ ضيق إلى فضاءٍ لا حدود له.
ذلك هو العبور الحقيقي؛ أن يعبر الفنُّ بنا إلى حيث لا تستطيع الجغرافيا أن تصل
بدالله اللغبي.. حين تصبح اللوحة سجادةً، ويصبح الخيال طريقًا إلى السيطرة على العقول
ولعل ما يزيد تجربة الفنان عبدالله اللغبي فرادةً أنه لا يرسم على القماش وحده، بل اختار السجاد مساحةً للبوح والتشكيل؛ فأخرج الفن من إطاره المألوف، وجعله أقرب إلى ذاكرة المكان ودفء البيت وروح التراث. وعلى سطح السجاد، حيث اعتدنا أن نرى النقوش والزخارف، يفتح اللغبي نافذةً أخرى للدهشة، فتتحول الخيوط والألوان إلى عوالم نابضة بالحياة.
وقد أطلق الفنان على هذا النهج تعبير «السيطرة على العقول»؛ وهي تسمية تحمل شيئًا من فلسفته في الفن، إذ لا يريد للمتلقي أن يمر أمام العمل مرور العابر، بل أن تستوقفه الصورة، وتستولي على خياله، وتدفعه إلى السؤال والتأمل.
وهذه هي إحدى خصائص الفنان الحقيقي؛ أن يجعل العين بداية الرحلة، لا نهايتها.
فاللغبي، بما راكمه من تجربة، وما امتلكه من قدرة على تطويع اللون والخامة والفكرة، استطاع أن يصنع لنفسه حضورًا خاصًا في المشهد التشكيلي، وأن يقدّم تجربةً تتجاوز حدود اللوحة التقليدية، حتى غدا السجاد بين يديه صفحةً فنيةً تحمل الحكاية والرمز والذاكرة.
وفي «العبور» تحديدًا، يبدو هذا الحس أكثر وضوحًا؛ فالحصان المجنّح ليس مجرد كائنٍ أسطوري، وإنما هو فكرةٌ طليقة، تحمل المدن في جناحيها، وتعبر بها من مكانٍ إلى مكان، كما يعبر الفن نفسه من يد الفنان إلى عين المتلقي، ثم يستقر في العقل والوجدان.
وهنا تكمن قيمة عبدالله اللغبي؛ فهو لا يرسم ما تراه العين فقط، بل يحاول أن يرسم ما يبقى في الذاكرة بعد أن تغادر العينُ اللوحة







