المجتمع

أربعون عامًا في ذاكرة الوطن..المهند نعمان الهندي —- المملكة حكاية عمر لا تُنسى

نعمان أشرف يستعيد رحلته من جازان إلى ذاكرة الوفاء في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين

في بعض الأوطان، لا تُقاس المحبة بسنوات الإقامة، ولا تُختصر العلاقة بالأرض في حدود العمل أو المسافة؛ فثمة أوطان تفتح أبوابها للغريب،

حتى يغدو بعد حين واحدًا من أهلها، يحمل ذكرياتها في قلبه، ويستودع ترابها أجمل فصول عمره.

ومن هذا المعنى الإنساني النبيل، جاءت رسالة الزميل الهندي نعمان أشرف بمناسبة اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، الموافق 27 سبتمبر 2026م، 17 ربيع الثاني 1448هـ، حاملة بين سطورها حكاية أربعة عقود من العمر قضاها في المملكة العربية السعودية، وشهادة وفاء لوطن احتضنه، ومنحه السلام والكرامة والشعور بالانتماء.

يستعيد أشرف في رسالته ذكريات وصوله إلى جازان في 28 أبريل 1980م، حين بدأت رحلته المهنية في محطة جازان لتوليد الطاقة الكهربائية. وما زال يتذكر ذلك المساء بوضوح؛ إذ كانت معظم جازان غارقة في الظلام، بينما لم يتجاوز الحمل الكهربائي الأولي نحو 2.5 ميغاواط.

ثم يمضي في استحضار مشاهد التحول والنماء، فيشير إلى أن محطة جازان لتوليد الطاقة وحدها تجاوزت، عند مغادرته، قدرة 1500 ميغاواط، إلى جانب محطة الشقيق لتوليد الطاقة، ومرافق أرامكو الرئيسية، ومحطة الشقيق لتحلية المياه.

وبين رقم وآخر، ومحطة وأخرى، لا تبدو الحكاية في رسالة أشرف مجرد سرد لمسيرة مهنية؛ وإنما تبدو شهادة إنسان عاش التحول بعينيه، وأسهم بجهده المتواضع في مرحلة من مراحل بناء صرح التنمية، ثم خرج منها وهو يحمل في ذاكرته قصة وطن يتغير أمامه عامًا بعد عام.

يقول أشرف، في معنى بالغ الدلالة، إنه سافر إلى بلدان عديدة، غير أن السلام والدفء والكرامة والشعور بالانتماء الذي عاشه في المملكة العربية السعودية ظل محفورًا في قلبه. وهنا تتحول السنوات من مجرد أرقام في سجل وظيفي إلى صفحات من سيرة إنسانية؛ فقد كانت العقود الأربعة التي أمضاها في المملكة، كما يقول، فصلًا ذا معنى في حياته.

وفي ختام رسالته، يرفع أشرف خالص دعائه وأطيب تمنياته للمملكة وشعبها، ولجميع زملائه السعوديين والمقيمين الذين شاركوه هذه الرحلة التي لا تُنسى، سائلًا الله أن يديم على المملكة العربية السعودية السلام والرخاء والتقدم، وأن يحفظ قيمها الإسلامية وتقاليدها العريقة في عالم سريع التغير.

إنها رسالة وفاء من رجل جاء إلى المملكة قبل أكثر من أربعة عقود، ليبدأ رحلة عمل، فإذا بالرحلة تصبح جزءًا من العمر، وإذا بالمكان يتحول من محطة في مسيرة الغربة إلى وطن يسكن الذاكرة.

ولعل أجمل ما في رسالة نعمان أشرف أنها لا تتحدث عن وطن من خلف نافذة الغريب، بل عن وطن عاش تفاصيله، ورأى بدايات تحوله، وأسهم في مسيرته، ثم غادره وفي قلبه شيء منه.

فالأوطان العظيمة لا تسكن الخرائط وحدها؛ إنها تسكن القلوب. وقد تركت المملكة في قلب نعمان أشرف ذكرى أربعين عامًا، بينما ترك هو في ذاكرتها شهادة وفاء رجل هندي أحب أرضًا احتضنته، حتى غدت بالنسبة إليه أكثر من مكان للعمل والإقامة؛ غدت فصلًا خالدًا من فصول حياته.

وكل عام والمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، في أمن وعز وازدهار، وكل عام وذكريات من عاشوا على أرضها شاهدٌ على وطنٍ اتسعت محبته لتتجاوز الحدود والجغرافيا، وتبقى في القلب ما بقي الإنسان يحمل ذاكرته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى