
الكشافة السعودية .. 90 عاماً من العطاء الإنساني وخدمة الحجاج وصناعة السلام …. بقلم سالم بن عوض آل مهنا
تسعون عاماً من العطاء، ومسيرة حافلة بالتربية والعمل التطوعي وخدمة الإنسان، وعقود من الحضور الذي تجاوز حدود الوطن إلى آفاق العالم؛ تلك هي مسيرة الكشافة السعودية التي رسخت مكانتها بوصفها إحدى المؤسسات التربوية التي تسهم في بناء الأجيال، وغرس قيم المواطنة والمسؤولية والتسامح والسلام، وتجسيد معاني البذل والعطاء في ميادين الخدمة الإنسانية؛ فمع دخول عام 1448هـ، برزت هذه المناسبة التاريخية لاستحضار مسيرة الحركة الكشفية في المملكة العربية السعودية، والاعتزاز بما حققته من إنجازات وطنية وعربية وعالمية، وما قدمته من نماذج مشرّفة للفتية والشباب والقادة الكشفيين والقائدات؛ حيث تعود المحطات الرسمية المبكرة لهذه المسيرة إلى قرار مجلس الشورى رقم 115، الصادر في 13 رجب 1357هـ، بالموافقة على تأسيس فرقة الكشافة العربية السعودية، بعد الاطلاع على طلب مديرية المعارف الإذن لها بتأسيس تلك الفرقة؛ وقد شكلت هذه الخطوة محطة مهمة في مسار تنظيم العمل الكشفي في المملكة، وتطوير دوره التربوي، وتوسيع إسهاماته في خدمة المجتمع، حتى أصبحت الكشافة السعودية اليوم جزءاً مهماً من المشهد الوطني للعمل التطوعي والتربوي، وواجهة مشرقة لقيم المجتمع السعودي الأصيلة.
وفي سجل العطاء الوطني، تتجلى خدمة الحجاج والمعتمرين بوصفها واحدة من أبرز المحطات التي صنعت للكشافة السعودية حضوراً استثنائياً ومكانة راسخة؛ فمنذ انطلاقتها الرسمية في خدمة الحجاج عام 1382هـ، بمشاركة 150 كشافاً، أخذت هذه الخدمة تتطور عاماً بعد عام، وتتسع مجالاتها وتتنامى أعداد المشاركين فيها، حتى تجاوز عددهم في أحد المواسم القريبة سبعة آلاف مشارك من الفتية والشباب؛ ولم تعد المهمة مقتصرة على الإرشاد ومساعدة التائهين، بل امتدت إلى الإسهام في تنظيم الحشود، ودعم الجهات الحكومية، وتقديم الخدمات الإرشادية والإنسانية، وتوظيف التقنيات الحديثة والخرائط الرقمية، والاستفادة من القدرات اللغوية للكشافة في التواصل مع ضيوف الرحمن من مختلف الجنسيات والثقافات.
وقد اكتسبت هذه الخدمة قيمتها من طبيعة المكان وشرف المهمة؛ فخدمة الحجاج والمعتمرين ليست مجرد مشاركة تطوعية موسمية، بل رسالة إنسانية وتربوية يتعلم من خلالها الكشاف معنى المسؤولية، ويترجم قيمه إلى سلوك عملي، ويكتشف أن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى إخلاص ومبادرة واستعداد دائم لخدمة الآخرين؛ وفي المشاعر المقدسة، تتجسد هذه المعاني في شباب يقفون في الميدان، تحت حرارة الشمس وفي أوقات الزحام، مستشعرين شرف خدمة ضيوف الرحمن، ومقدمين صورة مشرفة عن شباب وفتية المملكة وقدرتهم على العمل المنظم والتعاون مع مختلف القطاعات.
وعلى الصعيد العالمي، لم تكن الكشافة السعودية مجرد مشارك في الفعاليات الدولية، بل حرصت على أن يكون لها حضور فاعل في المؤتمرات والمخيمات والمنتديات الكشفية، وأن تسهم في تطوير الحركة الكشفية وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون بين الجمعيات الوطنية؛ ومنذ مشاركاتها المبكرة في المحافل الكشفية العالمية، واصلت حضورها في المنصات الدولية، وشاركت في اللجان الكشفية العالمية والعربية، وأسهمت في أعمال لجنة مستشاري كشاف العالم، إلى جانب استضافتها العديد من المناسبات الكشفية العربية والعالمية التي أتاحت للكشافة من مختلف البلدان فرص الالتقاء والتعارف وتبادل التجارب، وعززت حضور المملكة في ميدان التربية الكشفية والعمل الشبابي الدولي.
غير أن أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الكشافة السعودية والعالمية تمثل في المبادرة الإنسانية التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، داعيًا الكشافة إلى أن يكونوا “رسل سلام”، وأن يسهموا في بناء عالم أكثر أمناً وتفاهماً وتعاوناً؛ فقد حملت الدعوة رؤية تتجاوز حدود النشاط الكشفي التقليدي، لتجعل من الفتية والشباب قوة إيجابية قادرة على مد جسور التواصل بين الشعوب، ومواجهة التعصب، وتعزيز التعايش، وتحويل قيم السلام إلى مبادرات وأعمال تخدم الإنسان والمجتمع.
ولاقت هذه الدعوة صدى دولياً واسعاً، وحظيت بدعم الملك كارل السادس عشر غوستاف، ملك السويد والرئيس الفخري للصندوق الكشفي العالمي – آنذاك-، الذي شارك الملك عبدالله- رحمه الله- الإيمان بأهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه الحركة الكشفية في تعزيز السلام؛ ومع تطور المبادرة، انتقلت الفكرة من الدعوة إلى العمل المؤسسي المنظم، وتبلورت في برنامج “رسل السلام” الذي تبنته المنظمة الكشفية العالمية، ليصبح أحد أبرز البرامج التي ربطت العمل الكشفي بقضايا السلام والتفاهم بين الثقافات وخدمة المجتمعات.
وشهدت المبادرة محطات متتابعة عكست اتساع طموحها؛ ففي عام 2006م، استضافت مدينة الجبيل الصناعية 1500 كشاف وجوال من 85 دولة تحت شعار “معًا من أجل السلام”، في تجمع جسّد قدرة الكشافة على جمع الشباب حول هدف إنساني مشترك؛ وفي عام 2008م، احتضنت الرياض المعرض الكشفي العالمي للسلام برعاية الملك عبدالله- رحمه الله- في خطوة أسهمت في نشر ثقافة السلام وتعزيز حضور المبادرة دولياً،؛ ثم جاء مخيم السلام الثاني في جدة عام 2011م ليشكل محطة مفصلية في مسيرة المشروع، مع ترسيخ اسم “رسل السلام” وتوسيع نطاق العمل تحت مظلته.
ولم تكن المملكة تنظر إلى المبادرة بوصفها شعاراً جميلاً أو مشروعاً عابراً، بل تعاملت معها باعتبارها استثماراً طويل الأمد في الإنسان، وإيماناً بأن الفتية والشباب يمتلكون القدرة على إحداث التغيير الإيجابي متى توافرت لهم الفرص والبرامج والإمكانات_ ومن هذا المنطلق، قدمت المملكة دعماً مالياً سخياً للمبادرة، شمل منحة تجاوزت 37 مليون دولار في مرحلة سابقة، خُصصت لدعم برامج السلام والتدريب الكشفي وبناء قدرات القيادات والجمعيات الكشفية، ومساندة البرامج في الدول المحتاجة.
وفي أبريل 2025م، تجدد الالتزام السعودي بهذه الرسالة الإنسانية، بتوقيع اتفاقية تمويل مبادرة “رسل السلام” العالمية على مدى العقد التالي، بقيمة 50 مليون دولار أمريكي، بهدف إلهام وتشجيع أكثر من 100 مليون كشاف في 176 دولة للعمل رسلًا للسلام؛ وقد وقع الاتفاقية معالي رئيس جمعية الكشافة العربية السعودية الدكتور يوسف بن عبدالله البنيان، ورئيس لجنة الإشراف على مبادرة رسل السلام في المنظمة الكشفية العالمية سيغفريد وايزر، في خطوة تؤكد استمرار المملكة في دعم المبادرات الكشفية العالمية، وتعزيز قدرة الشباب على خدمة مجتمعاتهم، ونشر ثقافة السلام والمواطنة الفاعلة.
وتعكس النتائج المعلنة لمبادرة «رسل السلام» حجم الأثر الذي يمكن أن تحققه التربية الكشفية عندما تقترن بالرؤية والدعم والعمل المنظم؛ إذ تجاوزت ساعات العمل التي قدمها المشاركون 2.7 مليار ساعة، ونُفذت أكثر من 16 مليوناً من مشروعات وأعمال الخدمة؛ وهذه الأرقام لا تختصر قيمة المبادرة في حجمها فحسب، بل تشير إلى ملايين المواقف الإنسانية التي امتدت فيها يد المساعدة، ومبادرات التقارب والتعاون التي جمعت الشباب، وأعمال الخدمة التي استهدفت تحسين حياة الناس وتعزيز التفاهم بين المجتمعات.
وتتواصل اليوم مسؤولية الكشافة السعودية في البناء على هذا الإرث، من خلال تطوير البرامج التربوية، وتأهيل القادة والقائدات، وتمكين الفتية والشباب من اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها في عالم سريع التغير، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الوطنية والدولية؛ كما تبرز أهمية توسيع فرص المشاركة أمام الأجيال الجديدة، والاستفادة من التقنية والتحول الرقمي في تنظيم العمل التطوعي وقياس أثره، بما يجعل التجربة الكشفية أكثر ارتباطاً باهتمامات الشباب وقضايا مجتمعاتهم، وأكثر قدرة على استقطاب الطاقات وصقل المواهب.
إن مرور تسعين عاماً على مسيرة الكشافة السعودية ليس مجرد مناسبة لاستذكار تاريخ تأسيسها ومحطاتها المضيئة، بل فرصة لتجديد الاعتزاز بما قدمته من أعمال وطنية وإنسانية، واستحضار جهود أجيال من القادة والكشافة الذين أسهموا في بناء هذه المسيرة، وإبراز ما حققته المملكة من حضور مؤثر في الحركة الكشفية العالمية؛ فالتاريخ الذي صنعته الكشافة السعودية لم يُكتب بالحضور في المناسبات وحده، وإنما كُتب في الميدان، وفي خدمة الحجاج، وفي مبادرات التطوع، وفي جهود بناء السلام، وفي كل عمل ترك أثراً طيباً في حياة إنسان.
وستظل الرسالة الكشفية، بما تحمله من قيم الانضباط والتعاون والإخاء والخدمة، رافداً مهماً في بناء الإنسان وصناعة المستقبل؛ فالأوطان لا تُقاس إنجازاتها بما تشيده من منجزات مادية فحسب، بل بما تغرسه في أبنائها من قيم، وما تمنحهم من فرص ليكونوا شركاء في التنمية وصنّاعاً للتغيير الإيجابي؛ ومن هذه الحقيقة تستمد الكشافة السعودية مكانتها، وتواصل رسالتها، حاملةً إرث تسعين عاماً من العطاء، وطموح أجيال جديدة تؤمن بأن خدمة الإنسان طريق إلى السلام، وأن العمل الصادق قادر على تجاوز الحدود وصناعة عالم أكثر تعاوناً وتفاهماً وإنسانية.



