مقالات

لوبٌ كحدائق الربيع .. . عندما تتجلّى إنسانية الأرواح النقيّة رسالة. إنسانية بقلم الإعلامي والكاتب حمد دقدقي

ليست قيمة الإنسان فيما يجمعه من مال، ولا فيما يبلغه من جاهٍ ومكانة، وإنما فيما يتركه في قلوب الآخرين من أثرٍ طيب، وما يغرسه في نفوسهم من طمأنينة، وما يمنحه للحياة من جمالٍ لا تراه العيون، ولكن تستشعره الأرواح.

فهناك أناسٌ يشبهون حدائق الربيع؛ إذا اقتربت منهم أزهرت في روحك المعاني الجميلة، وإذا أثقلت الحياة قلبك وجدت في كلماتهم فسحةً من الأمل، وفي حديثهم نافذةً تطل منها على ضوءٍ جديد. لا يتكلفون المحبة، ولا يتصنعون الود، وإنما تنبع إنسانيتهم من قلوبٍ ألفت الخير، واعتادت أن تمنح الآخرين شيئًا من دفئها وحنانها.

ومن هؤلاء أولئك النبلاء الذين لا تمر بهم أحزان أصدقائهم مرور العابرين، ولا يقفون أمام آلامهم موقف المتفرجين؛ بل يتلمسون مواضع الوجع في النفوس، فيداوونها بكلمةٍ رقيقة، ويجبرون خواطر أصحابها بابتسامةٍ صادقة، ويتركون في عتمة الأيام قبسًا من نور. كأنهم خُلقوا ليكونوا رسلًا للمودة، وحراسًا للأمل، وأيديَ تمتد إلى القلوب كلما أوشكت أن تنكسر.

إنهم أولئك الذين يفرحون لنجاح الآخرين كما لو أن النجاح قد طرق أبوابهم، ويساندونهم في المحن كما لو أن المصاب مصابهم، ويعرفون أن للكلمة الطيبة أثرًا لا تمحوه السنون، وأن جبر الخواطر من أرفع أبواب الخير، وأن الإنسان قد ينسى كثيرًا مما قيل له، لكنه لا ينسى قلبًا احتواه حين ضاقت به الدنيا.

وما أجمل أن يكون المرء مأوى للطمأنينة، ووجهًا تستبشر به النفوس، ولسانًا لا ينطق إلا بما يليق بجمال الروح! فليس الجمال أن تملأ عينيك بالزينة، بل أن تملأ قلوب الناس بالرضا، وليس الثراء أن تمتلك كنوز الدنيا، بل أن تكون في حياة الآخرين نعمةً لا تُقدّر بثمن.

وهكذا تبقى النفوس النقية علاماتٍ مضيئة في دروب الحياة؛ تمنح دون أن تنتظر، وتحب دون أن تحصي، وتزرع الخير ولو لم تشهد حصاده. وإذا كان للإنسان من إرثٍ يبقى بعد رحيله، فليس أعظم من ذكرى طيبة تسكن القلوب، ودعوة صادقة تصعد إلى السماء، وأثرٍ جميل يجعل من عرفه يحمد الله أنه التقى به يومًا.

وفي مواسم الخير، حين تتفتح أبواب الرحمة وتتآلف الأرواح على المحبة، نسأل الله أن يديم على أصحاب هذه القلوب صفاءهم، وأن يزيدهم رفعةً في رضاه، ومحبةً في قلوب عباده، وأن يجعل أيامهم عامرةً بالعافية والسكينة، وأن يرد إليهم من جميل ما يمنحونه للآخرين أضعافًا من الفرح والبركة.
فطوبى لمن كان قلبه حديقةً لا تذبل، وكلمته بلسمًا لا ينفد، وحضوره عيدًا صغيرًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى