
مبارك للوطن … ومبارك لشبابه … وإلى بطولةٍ تليها ما دام في هذا الوطن قلبٌ ينبض، وشابٌّ يركض، ورايةٌ لا تنحني بقلم حمد دقدقي
صباح المطر.. وصباح البطولات
صباح المطر الذي هبط على الأرض كأنه بشارة من السماء، وصباح الوطن الذي أشرقت أفراحه بفوزٍ جديد، وصباح كرة القدم التي ما زالت، رغم تبدّل السنين، قادرة على أن تعيد إلينا شيئًا من طفولتنا، وأن تفتح في الذاكرة نافذةً على أيامٍ بعيدة.
مطرنا بالخير، وفزنا بالبطولة الخليجية السابعة والعشرين لأبطال الخليج؛ فكان للمطر فرحه، وللانتصار فرحه، وللوطن فرحٌ أكبر من كل الأفراح.
ولأن الفرح الحاضر كثيرًا ما يستدعي أفراحًا قديمة، أعادت هذه البطولة إلى الذاكرة صورة دورات الخليج حين كانت تصلنا عبر الأثير. كنا صغارًا، ننتظر صافرة البداية كما ينتظر العاشق موعده، ونجلس حول المذياع أو الشاشة بقلوبٍ صغيرة وأحلامٍ كبيرة، نتبادل أسماء اللاعبين ونتابع أخبار المنتخبات، ونعيش كل مباراة كأنها شأنٌ من شؤون البيت.
كبرنا نحن، ولم تكبر في أعيننا تلك البطولة. بل لعلها كبرت في وجداننا؛ إذ لم تعد مجرد مباريات وكؤوس، وإنما صارت جسرًا يصل حاضرنا بماضينا، ويمنحنا فرصة استعادة شيء من بساطة الأيام الأولى.
تبدّلت الوجوه، وتغيّرت الملاعب، وتقدّمت التقنية، وصار العالم يصل إلى غرفنا بضغطة زر، لكن دورة الخليج بقيت تحمل شيئًا من ذلك الدفء القديم؛ بطولة تجمع أبناء الخليج على مائدة واحدة، أو على كرة القدم، كما لو أن الكرة وحدها تعرف كيف تجمع ما تفرقه الأيام.
ولعل أجمل ما في الرياضة أنها لا تسألنا عن أعمارنا. فالكرة هي الكرة، والملعب هو الملعب، والشباب يركضون خلف حلمهم، ونحن نقف بعيدًا نستعيد شبابًا مضى. هم يطاردون الفوز، ونحن نطارد في ذاكرتنا أيامًا كانت فيها الفرحة أبسط، وكان الهدف الواحد قادرًا على أن يجعل حيًّا كاملًا يهتف حتى منتصف الليل.
ومع ذلك، لم أتابع من هذه الدورة إلا مباراة منتخبنا؛ ربما لأن العمر لم يعد يمنحنا ذلك الشغف القديم بالمتابعة، وربما لأن الأيام أثقلت علينا بما يكفي، فلم نعد نملك الوقت نفسه للجلوس أمام الشاشات وملاحقة كل مباراة. لكن الحنين الذي أثارته البطولة ظل حاضرًا، ينتظر لحظةً تعيده من الذاكرة إلى الواقع.
وحين لعب شباب الوطن، عاد القلب شابًا.
وحين انتصروا، شعرت أن المسافة بين الأمس واليوم قد اختفت لحظة واحدة؛ فهؤلاء الشباب الذين حملوا الراية لم يكونوا يلعبون لأنفسهم وحدهم، وإنما كانوا يركضون وفي أرجلهم تاريخ، وفي قمصانهم اسم وطن، وفي أعينهم حلم جيلٍ كامل. عندها بدا الفوز امتدادًا طبيعيًا لكل الأفراح التي عشناها قديمًا، لكنه جاء هذه المرة بوجوه جديدة، وبحكاية جديدة، وبوعدٍ بمستقبل أكثر إشراقًا.
مبارك للوطن هذا التألق، ومبارك لشبابه هذا الإنجاز.
وليس الفوز في كرة القدم مجرد كأسٍ تضاف إلى الخزانة، ولا رقمًا يمر في سجل البطولات؛ إنما هو صورة صغيرة من قدرة هذا الوطن على أن يصنع الفرح، وأن يمنح أبناءه أسبابًا جديدة للفخر، وأن يمضي إلى الأمام مهما تبدلت الأزمنة. وهو، في الوقت نفسه، تذكير بأن الذكريات الجميلة لا تنتهي؛ فهي تعود كلما وجد الوطن مناسبةً جديدة للاحتفال.
هكذا تُبنى الأوطان؛ بسواعد رجالها، وبعزيمة شبابها، وبإيمان أبنائها بأن الغد أجمل. وهكذا تتصل الأجيال: جيلٌ يستعيد من الماضي دفء الذكريات، وجيلٌ يصنع في الحاضر إنجازًا يضاف إلى تلك الذكريات، لتبقى الحكاية مستمرة.
أما السعودية، فهي الحكاية التي لا تحتاج إلى كثير شرح؛ وطنٌ يمضي إلى الأمام، ويصنع مكانه بين الأمم، ويكبر كل يوم في عيون أبنائه ومحبيه.
عاشت السعودية عزيزةً شامخة، ودامت أفراحها، وبقيت رايتها عالية.
وإذا كان جيلنا قد كبر، فإن الوطن لم يكبر عن أحلامنا؛ بل كبرت أحلامه فينا، وكبر معها الفرح. وما بين مطرٍ يهبط من السماء، وبطولةٍ تهبط على أرض الوطن، تتجدد فينا القدرة على الفرح، ويثبت أن الماضي الجميل لا يقف في مواجهة الحاضر، بل يمنحه معنى أعمق.
صباح المطر إذن…
وصباح البطولات…
وصباح وطنٍ كلما ظننا أننا رأينا من مجده كثيرًا، فاجأنا بما هو اكثر



