المجتمع

«عسلُ طَلان… عندما تُزهر الجبالُ شهدًا، وتبوح الأرضُ بأسرار الكرم

ليست الحكايات الجميلة تلك التي ترويها الكلمات وحدها، بل تلك التي تنبت من الأرض، وتتشكل من عرق الرجال، وتفوح من مواسم الطبيعة كما تفوح رائحة العسل من خلاياه الدافئة. ففي جبال جازان، حيث تعانق الأشجار قمم الجبال، وتختزن الطبيعة أسرارها في تجاويف الأغصان، يظل العسل حكاية وفاء بين الإنسان وأرضه، ورمزًا لأصالة المكان وكرم أهله.
وفي صبيا، حيث تتصل الذاكرة بالأرض، ويجد التراث طريقه إلى تفاصيل الحياة اليومية، يبرز اسم أبي نواف، المرتبط بمناحل جبل طلان، بوصفه عنوانًا لتجارة العسل وما تحمله من شغف بالموروث المحلي، واعتزاز بخيرات الجبال التي أودع الله فيها ألوانًا من الجمال والعطاء.
هناك، لا يقف العسل عند حدود سلعة تُعرض للبيع، بل يصبح قصةً لها مذاقها، تبدأ من شجرة السدر، وتمر بطلح الجبال وسمُرها، وتمتد إلى عسل دوعان الذي يتغنى به محبوه، وإلى عسل المسني الذي يصفه أصحابه بالفخامة والتفرّد. ولكل نوع مذاقه وخصائصه، ولكل قطرة حكاية تختصر رحلة النحل بين الأزهار، وصبر الطبيعة، وعناية الإنسان.
ولأن بعض الرجال لا تحتاج سيرتهم إلى كثير من الزينة، جاءت قصيدة الشاعر يحيى عمر لتعبّر عن تقديره لأبي نواف، مستحضرةً ما يراه فيه من كرم وأمانة وحسن تعامل، ومادحةً ما اشتهرت به مناحله من تنوع العسل وإقبال محبيه. وقد حملت الأبيات روح الشهادة الصادقة، حين جعلت من العسل مناسبةً للحديث عن صاحبه، ومن المنتج المحلي جسرًا يصل بين الناس والمكان.
يقول الشاعر في مطلع قصيدته:
ياللي مريضٍ ودواك من عسل دوعان
روح عند أبو نواف وتلقى ما تريد
ثم يمضي في وصف أنواع العسل التي يعرضها، قبل أن يبلغ ذروة الوفاء في مخاطبة أبي نواف:
أنا أشهد إنك يا أبو نواف للكرم عنوان
وأنت راعي الأمانة وأنت شهم وجيد
وفي مثل هذه القصائد، لا تكون قيمة المدح في جزالة العبارة وحدها، بل فيما تختزنه من مشاعر التقدير، وما تكشف عنه من علاقة إنسانية تجعل العمل والأمانة وحسن المعاملة جزءًا من سمعة الرجل ومكانته بين الناس.
إن العسل الطبيعي، على ما يحمله من قيمة غذائية ومكانة في الموروث الشعبي، يظل منتجًا يستحق العناية بمعايير جودته ومصدره وطرق حفظه، كما أن الحديث عن فوائده لا ينبغي أن يتحول إلى وعود بالعلاج أو الشفاء من الأمراض؛ فالعسل ليس بديلًا عن الدواء أو استشارة الطبيب.
وتبقى مناحل جبل طلان، بما تمثله من ارتباط بخيرات البيئة الجازانية، صورةً من صور الاقتصاد المحلي الذي يستطيع أن يجمع بين أصالة الموروث وفرص التطوير، وأن يمنح منتجات المنطقة حضورًا أوسع حين تقترن الجودة بالثقة، والخبرة بالأمانة، والتسويق بالتعريف الحقيقي بما تنتجه الأرض.
وفي ختام قصيدته، يترك يحيى عمر باب الود مفتوحًا بروح الشاعر المتواضع، قائلًا:
هاذي شهادة شكر وتقدير وعرفان
من يحيى عمر مخصوص للشهم المجيد
وكأنما أراد أن يقول إن أجمل ما يتركه الإنسان وراءه ليس ما يجمعه من مكاسب فحسب، بل ما يزرعه في قلوب الناس من محبة، وما يصنعه من سمعة طيبة تتناقلها المجالس، كما تتناقل الجبال رائحة المطر، وتحفظ الأشجار في ظلالها أسرار المواسم.
أبو نواف.. عسل الجبال حكاية، وطيب الرجال شهادة، ومن أرض جازان تبدأ الحكايات التي لا تفقد مذاقها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى