
شحات ويتشرط!!
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب : عبدالله بنجابي
يلخص المثل الشعبي الشهير “شحات ويتشرط” واحدة من أعمق المفارقات السلوكية في العلاقات الإنسانية: أن تجد طرفاً في موقع الاحتياج وطلب العون، لكنه بدلاً من إظهار الامتنان، يمارس الاستعلاء، ويفرض شروطاً تعجيزية، ويتذمر من العطاء المقدم له. ورغم أن هذا المثل نشأ في سياق فردي عفوي، إلا أن إسقاطه على الواقع المؤسسي لبعض منظمات القطاع غير الربحي يكشف تشوهاً إدارياً حقيقياً؛ حيث تنحرف بوصلة الإدارة لتتحول المنظمة من “مستفيد يطلب الدعم المجتمعي” إلى “كيان سلطوي يمارس الاستحقاق المطلق” بحق من تبرع بوقته وجهده.
جذور المفارقة: من “الشراكة المجتمعية” إلى “عقلية الاستحقاق”
يقوم العمل التطوعي في جوهره على نبل المبادرة وبذل الجهد والوقت بدافع المسؤولية المجتمعية دون انتظار مقابل مادي. وفي المقابل، تعاني كثير من المنظمات من شح الموارد ونقص الكوادر، ما يدفعها لطلب عون المجتمع.
لكن هذا المشهد الإنساني يصطدم أحياناً بانتكاسة إدارية وسلوكية تتجلى عبر مسارين:
التطبيع مع المجانية: تبدأ بعض الإدارات تدريجياً في اعتبار جهد المتطوع “حقاً مكتسباً” لا فضل فيه، فتسقط عنه صفة التبرع وتتعامل معه كيد عاملة مجانية ملزمة بأعباء تفوق طاقتها.
الخلط بين الحوكمة والتعنت: تحت لافتة “التنظيم وضبط الجودة”، تخلط الجمعية بين المعايير المهنية اللازمة لإنجاز المهام، وبين فرض قيود بيروقراطية مشددة، وشروط تعسفية لا مبرر لها، وتعامل فوقي يخلو تماماً من المرونة وحسن الاستقبال.
تشريح السلوك المؤسسي: كيف تتجسد الممارسة على أرض الواقع؟
تظهر عقلية “المتشرط” في العمل التطوعي من خلال عدة مظاهر عملية تفرغ العمل الخيري من روحه السامية:
تحميل التكاليف والمخاطر للمتطوع: كأن يُطلب من المبادر استخدام أجهزته ومعداته الخاصة، أو تكبد مصاريف التنقل، أو تحمل تبعات لوجستية كان ينبغي على الجمعية تأمينها، مع توجيه اللوم والتذمر عند أي تقصير طفيف.
التعامل مع المتطوع كموظف بلا أجر: إلزامه بمهام ومسؤوليات تتطلب تفرغاً وظيفياً كاملاً، وفرض جداول وساعات عمل صارمة تفتقر للمرونة، دون مراعاة لالتزاماته الشخصية والأسرية والمهنية.
غياب ثقافة الامتنان والتقدير: التعامل مع المبادرة وكأن المنظمة تسدي معروفاً للمتطوع بقبول مشاركته، وتجاهل أبسط قواعد التقدير المعنوي والشكر والتوثيق الذي يحفظ كرامته وجهده.
التداعيات: اغتيال الشغف وتجفيف منابع التطوع
حين يواجه الشاب المبادر هذا السلوك الفوقي، لا يقتصر الضرر على مشروعه الحالي فحسب، بل يمتد أثره السلبي إلى المنظومة بأسرها:
الاحتراق النفسي ونفور الكفاءات: إن أصحاب المهارات العالية والخبرات النوعية هم أول من ينسحب ويغادر؛ لأن كرامتهم المهنية والشخصية تأبى الخضوع للتعامل الفوقي غير المنطقي.
تسميم السمعة المؤسسية: تنتقل تجارب الإحباط وسوء التقدير بين أوساط الشباب، مما يخلق عزوفاً مجتمعياً عاماً ويجعل المنظمة بيئة طاردة للطاقات المتميزة.
إفراغ القطاع من غاياته التنموية: تتحول أرقام المتطوعين إلى مجرد إحصاءات شكلية لملء التقارير السنوية، بدلاً من أن تكون حركة مجتمعية حية تنبض بالانتماء والتكافل وبناء الأثر المستدام.
إن العمل التطوعي عقد شراكة أخلاقي وإنساني متكافئ؛ المنظمة توفر فيه مساحة النفع والأثر، والمتطوع يقدم فيه طاقته وفكره ووقته. والمنظمة التي تقع في فخ هذا السلوك تكسر جوهر هذه الشراكة، وتنسى أن أصل وجودها قائم على نبل التعاون وخدمة المجتمع، لا على الاستقواء الإداري. فاستدامة العطاء لا تُبنى بفرض الشروط والتعسف مع من يمد يد العون، بل بحسن الاستقبال، والمرونة، وحفظ كرامة المبادر، وإشعاره بأنه شريك أصيل في صناعة الأثر.
وفي الختام، يظل العمل التطوعي رافداً أساسياً من روافد بناء المجتمع، ومحوراً جوهرياً تلاقت عنده التطلعات الوطنية مع همم أبناء هذا الوطن المعطاء. ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، على ما يولونه من دعم سخي ورعاية كريمة للقطاع غير الربحي، وتوفير البيئة التشريعية والتنظيمية والمحفزة عبر المنصات والمبادرات الوطنية التي رسخت ثقافة البذل وحفظت حقوق المتطوع وكرامته، وجعلت من التطوع ركيزة تنموية تسهم في رفعة هذا الوطن وازدهاره.



