مقالات

“ابراهيم المدني” يرحمه الله .. صوت له حقوق ….. بقلم الدكتور وليد سليمان الصقعبي

قبل أيام قليلة ودَّعنا صاحب الفضيلة, الشيخ إبراهيم بن عادل المدني، يرحمه الله، أحد مؤذني المسجد الحرام الذين اشتهروا بأذان الفجر والتكبيرات. وتعودت جبال مكة المحيطة بالمسجد الحرام ترداد أصداء صوته بين شعابها. ولعل قلة يعلمون أن اللائحة التنفيذية الجديدة لنظام حقوق المؤلف – النافذة هذا العام – حسمت صراحةً صفة من كان مثله: فالمادة الثامنة منها تنص على أن من يؤدون التلاوات القرآنية أو الأذان يُعدّون في حكم “مقدمي الأداء”. لم يعد الأمر اجتهادًا يُستأنس به، بل نصاً صريحا يضع أداء المؤذن في مكانه الصحيح: فالأذان نص ديني ثابت ولا سبيل إلى إدعاء تأليفه أو المطالبة بحقوق ذلك، لكن أداء الفقيد كان أداءً فرديًا له حماية مستقلة بذاتها.
وهذه الحماية غير شكلية إذ تمنح المادة السابعة من النظام فناني الأداء حقين أدبيين: أن يُنسب الأداء إليهم، سواء كان الأداء على الهواء مباشرة  أو مثبتًا؛ وأن يعترض المؤدون على أي تعديل أو تشويه أو تحريف يمس أداءهم وما يجلب عليه من الإضرارًا بسمعتهم، وتؤكد المادة الثامنة من اللائحة انطباق وصف فنان الأداء على مؤدي الأذان تحديدًا. وتصف اللائحة هذين الحقين بأنهما أبديان، لا يسقطان بالتقادم، ولا يقبلان التنازل أو التصرف، ولا يزولان بمجرد الترخيص باستغلال الأداء ماليًا، وتنتقل إدارتهما إلى الورثة من بعد صاحبها. فحقوق المؤدي الأدبية في أذانه لا تموت بموته.
أما الجانب المالي فمدة حمايته لا تُحسب من الوفاة، وإنما تختلف بحسب صاحب الحق وطبيعة التثبيت: خمسون سنة لفنان الأداء من العام التالي للأداء أو تثبيته بحسب الحالة، ولمنتج التسجيل الصوتي من العام التالي لنشر التسجيل أو تثبيته إذا لم يُنشر. وهذا يعني أن بعض تسجيلات الفقيد الأقدم قد تكون أقرب إلى نهاية حمايتها المالية من غيرها الأحدث، وهي مفارقة تستحق تأملًا لا تبسيطًا.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: من يملك حق الإذن بإعادة نشر هذه التسجيلات؟ والجواب أشد تعقيدًا مما يظنه قارئ اللائحة وهذه السطور. صحيح أن اللائحة عالجت حال “المصنف” الذي يبتكره العامل أثناء عمله وربطته بأنشطة صاحب العمل، لكن هذا الحكم منصبٌّ على المصنَّفات لا على الحقوق المجاورة كحق الأداء وحق التسجيل الصوتي؛ فلا يصح إسقاطه تلقائيًا على أداء المؤذن أو تسجيله دون تحديد أي حق بالضبط، ومن صاحبه، وبأي سند انتقل إليه. بل تشترط اللائحة نفسها، عند تسجيل الحقوق المجاورة، تقديم مستند يثبت انتقال الحق من المؤدي أو منتج التسجيل إلى من يدّعي ملكيته – وهو ما يؤكد أن الملكية لا تُفترض بمجرد وجود التسجيل.
والأدق من سؤال “من يملك صوت الشيخ؟” أن نسأل: أي طبقة من هذا المحتوى نتحدث عنها؟ ففي المقطع الواحد من أذانه تجتمع طبقات متعددة من الحقوق: النص الديني ذاته، الذي لا يثبت عليه حق مؤلف خاص لأحد؛ وأداء الفقيد لهذا النص، وله حق مجاور مستقل بموجب المادة السابعة من النظام؛ والتسجيل الصوتي لهذا الأداء، وقد تنشأ عليه حقوق مستقلة لمنتجه؛ والبث، الذي قد تكون لهيئته حقوق مستقلة إن كان الأداء قد أُذيع مباشرة. ولكل طبقة صاحب حق محتمل يختلف عن غيره.
أما حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاكاة صوت الفقيد ونسبة أداء إليه لم يؤده، فالمسألة أخطر من أن تُختزل في سؤال قانوني عابر. ففي ولايات قضائية أخرى نجح المشرعون في سن قوانين تضيف الصوت صراحةً إلى نطاق الحماية القانونية للهوية الشخصية في مواجهة إساءة الاستعمال بالذكاء الاصطناعي. أما نظام حقوق المؤلف السعودي الجديد، فقد تناول الذكاء الاصطناعي صراحةً في المادة السادسة والعشرين، لكنه لم ينشئ حقًا مستقلًا في “الهوية الصوتية”  وإنما اجتهد مشرعوا اللائحة بحق الأداء  وهو سند لا بأس به، لكنه ليس مصممًا أصلًا لمواجهة زمن يُستنسخ فيه الصوت بضغطة زر.
فهل تنتظر جهات التشريع وإعداد اللوائح أن يُستنسَخ صوت مؤذن من كبار مؤذني المملكة بالذكاء الاصطناعي في إعلان تجاري أو مقطع مضلِّل، ليتم تقدير حجم الخطورة؛ وقد يكون الأوان قد فات,  والعجيب أن اللائحة التي تناولت الذكاء الاصطناعي صراحةً، لم تجد بين فقراتها متسعًا لتمنح ذوي المتوفى  أداة صريحة يحفظون بها صوت فقيدهم من التزييف! سؤال أطرحه بأدب شديد، وبانتظار شديد أيضًا للجهات المسؤولة.
همسة أخيرة إلى ورثة الفقيد ومحبيه: إن وفاة شيخنا يرحمه الله لا تجعل تسجيلاته بلا صاحب حق، ولا تجعل ورثته تلقائيًا أصحاب جميع حقوقها المالية، كما لا تجعل الجهة المشرفة مالكة تلقائيًا لكل حق في التسجيلات؛ بل يبقى الحق الأدبي : نسبة الأداء وسلامته – أبدياً لا يسقط، تنتقل إدارته إلى الورثة بنص صريح، بينما تحتاج الحقوق المالية إلى تحديد طبقاتها وصاحبها وسند انتقالها ومدة حمايتها. وفي حفظ هذا التمييز، لا في تجاوزه، وبذلك يكون الوفاء الحقيقي لذكرى من حفظوا الأمانة بأصواتهم في رحاب الحرمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى