مقالات

“حين كان للحرف مقام”.. بقلم الإعلاميه روان صالح الوذيناني

كان للخط في مدارس الأمس حكاية مختلفة قلم يمسك بعناية ودفتر ترسم على صفحاته الحروف حرفا حرفا ومعلم يتوقف عند انحناءة الألف واستقامة اللام ونظافة السطر لم تكن الكتابة مجرد وسيلة لتدوين الإجابة بل مهارة يتعلمها الطالب وجمالا يحرص على إتقانه

كان الطالب يعرف أن الحرف له ميزان وأن للكلمة شكلا وأن للدفتر حرمة لا تسمح بأن تملأ صفحاته بالعجلة والفوضى

أما اليوم فقد تغيرت الصورة كثيرا وأصبحت الكتابة اليدوية أقل حضورا في حياة أبنائنا لتبقى أمامنا علامة استفهام تستحق التأمل

أين ذهبت حصة الخط

في الماضي كانت حصة الخط والإملاء من الحصص التي تترك أثرا واضحا في شخصية الطالب التعليمية يجلس أمام دفتره يكرر الحروف والكلمات ويحاول أن يجعل سطره أكثر ترتيبا من السابق لم يكن الهدف أن يصبح كل طالب خطاطا وإنما أن يتعلم الدقة والصبر والترتيب والكتابة الصحيحة

وكانت دفاتر الطلاب تكشف شيئا من اهتمامهم فهناك من يعتني بكل حرف ومن يحرص على نظافة الصفحة ومن يعيد الكلمة إذا لم تعجبه كتابتها

ومع مرور السنوات تغيرت طبيعة التعليم ودخلت التقنية إلى تفاصيل الحياة المدرسية وأصبح الطفل يتعامل مع الأجهزة والشاشات في سن مبكرة وبينما منحتنا التقنية سرعة هائلة في الكتابة والوصول إلى المعلومة تراجع في المقابل حضور القلم والدفتر

وهنا لا يتعلق الأمر بالحنين إلى الماضي بقدر ما يتعلق بمهارة أساسية

فالطفل الذي لا يتدرب على الكتابة بيده قد يكبر وهو قادر على الكتابة عبر لوحة المفاتيح لكنه يواجه صعوبة حين يطلب منه أن يكتب بخط واضح أو أن يملأ صفحة بخط مرتب أو أن يدون أفكاره دون الاعتماد على التصحيح الإلكتروني

أما الإملاء فقصة لا تقل أهمية

فالاعتماد المستمر على التصحيح التلقائي قد يجعل الطالب يرى الكلمة مصححة أمامه لكنه لا يتعلم بالضرورة لماذا كانت خاطئة والتعليم الحقيقي لا يقتصر على معرفة الصواب بل يمتد إلى معرفة سبب الصواب

ولعل الأهم أن الخط والإملاء ليسا مهارتين منفصلتين عن اللغة فهما جزء من قدرة الطالب على التعبير عن نفسه ووسيلة لحفظ سلامة الكتابة العربية وجمالها

لذلك ربما لا نحتاج إلى استعادة حصة الخط بالصورة القديمة نفسها وإنما نحتاج إلى إعادة الاعتبار للكتابة اليدوية بأسلوب يناسب جيل اليوم مسابقات للخط وتدريبات قصيرة ودفاتر للكتابة وتطبيقات عملية تجعل الطالب يرى جمال الحرف بدل أن يشعر أنه مجرد واجب مدرسي

فالتطور لا يعني أن نتخلى عن كل ما كان جميلا بل أن نعرف كيف نحافظ على الجميل ونحن نمضي إلى الأمام

ذات يوم كان الطالب يفتح دفتره فيرى أمامه سطرا من الحروف فيحاول أن يجعل يده تقترب من جمالها

اليوم قد يفتح شاشة ويكتب عشرات الكلمات في ثوان لكنه ربما لا يتذكر آخر مرة جلس فيها ليهتم بحرف واحد

لقد تغيرت الكتابة لكن السؤال لم يتغير ماذا خسرنا حين أصبح القلم أقل حضورا

ربما لم تختف حصة الخط تماما لكنها اختفت من تفاصيل كثيرة في حياتنا

وما نحتاجه ليس العودة إلى الماضي بل أن نمنح الحرف العربي فرصة جديدة ليكتب لا ليطبع فقط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى