مقالات

كن قاسيًا مع الجميع… حين تكون القسوة حزمًابقلم سوزان صالح الشمريمستشارة أسرية وتربوية

في زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا، لم تعد المشكلة دائمًا في قسوة الآخرين علينا، بل ربما في عجز بعضنا عن وضع الحدود التي تحميه من الاستنزاف.

نسمع كثيرًا عبارات مثل: «كن طيبًا»، «سامح»، «احتوِ الآخرين»، وهي قيم جميلة لا خلاف عليها، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: متى تتحول الطيبة من قيمة إلى عبء؟ ومتى يصبح التسامح تنازلًا عن الحق؟

من هنا تأتي فكرة «القسوة» بمعناها المختلف؛ القسوة التي لا تعني إيذاء الآخرين، وإنما تعني أن يمتلك الإنسان من الحزم ما يكفي لحماية نفسه وكرامته ووقته ومشاعره.

أن تكون حازمًا لا يعني أن تكون جافًا، وأن تضع حدودًا لا يعني أنك أصبحت شخصًا أنانيًا.

في العلاقات الإنسانية، هناك من يعتاد على عطائك حتى يصبح بالنسبة إليه أمرًا طبيعيًا، فإذا توقفت قليلًا أو قلت «لا»، شعر أنك تغيرت.

والحقيقة أنك ربما لم تتغير، بل أصبحت أكثر وعيًا بقيمتك وحدودك.

نحن أحيانًا لا نخشى خسارة الأشخاص بقدر ما نخشى أن يقال عنا إننا تغيرنا، أو أصبحنا أقل لطفًا، أو لم نعد كما كنا.

ولهذا نستمر في تقديم التنازلات، ونؤجل التعبير عن استيائنا، ونخفي ضيقنا خلف ابتسامة، حتى تتراكم المشاعر ويصبح الإنسان في مواجهة نفسه قبل أن يكون في مواجهة الآخرين.

إن النضج في العلاقات لا يعني أن نرضي الجميع، فإرضاء الجميع غاية يستحيل تحقيقها.

النضج أن تعرف متى تعطي، ومتى تعتذر، ومتى ترفض، ومتى تصمت، ومتى تنسحب بهدوء من علاقة لم تعد صحية لك.

أن تقول «لا» في الوقت المناسب قد يكون أكثر صدقًا من أن تقول «نعم» وأنت من الداخل ممتلئ بالرفض.

والحدود ليست جدرانًا نبنيها بيننا وبين الناس، بل هي إشارات واضحة نخبر بها الآخرين بالطريقة التي نريد أن تُدار بها العلاقة.

نحن بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على هذه الثقافة أيضًا؛ أن نعلمهم أن احترام الآخرين لا يعني الخضوع لهم، وأن الأدب لا يتعارض مع الحزم، وأن الإنسان يستطيع أن يكون رحيمًا دون أن يسمح لأحد بتجاوز حدوده.

فالمجتمع المتوازن لا يحتاج إلى أشخاص قساة، وإنما يحتاج إلى أشخاص واعين، قادرين على إدارة علاقاتهم بوضوح واحترام.

كن قاسيًا على خوفك من الرفض، وعلى ترددك، وعلى كل ما يدفعك إلى إلغاء نفسك من أجل الآخرين.

كن لطيفًا، ولكن لا تكن مستباحًا.

كن متسامحًا، ولكن لا تجعل التسامح دعوة لتكرار الخطأ.

كن كريمًا، ولكن لا تجعل كرمك سببًا في استنزافك.

وكن حاضرًا لمن تحب، لكن لا تغب عن نفسك.

في النهاية، القوة ليست في أن تجعل الآخرين يخافون منك، وإنما في أن تصل إلى مرحلة تستطيع فيها أن تحافظ على قلبك الطيب دون أن تسمح لأحد باستغلاله.

فليس المطلوب أن نقسو على الناس… بل أن نمتلك من الحزم ما يجعل طيبتنا اختيارًا، لا نقطة ضعف.

سوزان صالح الشمري
مستشارة أسرية وتربوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى