
صبر لا يراه أحدبقلم الكاتبة الإعلامية: موضي بنت سليمان
هناك معارك خفية لا تُقرع لها طبول، ولا يحضرها شهود.
معارك نخوضها وحدنا كل صباح، حين نرتدي وجوهًا هادئة تخفي خلفها أرواحًا تتعب وتنهض، وتثقلها أسئلة بلا إجابات. ذلك هو الصبر الحقيقي؛ ألا تكتفي بانتظار الفرج، بل أن تحمله معك في العتمة، وتمضي في طريقك كأنك لم تفقد بوصلتك قط.
أن تستيقظ وفي صدرك غصّة لم تكتمل، ومع ذلك تنهض. أن تؤجل رغبتك العارمة في اليقين، وتدرك أن الأشياء العظيمة لا تأتي على أهواء منتظريها، بل حين ينضج لها القلب ويستقيم.
إنه صبر لا يشبه الجلوس على عتبة التمني، بل يشبه أن تسير بخطوات ثقيلة، بينما في جوفك شيء يصرخ طامعًا في الوصول منذ أمد بعيد.
ذلك هو جوهر الصبر؛ أن تظل أنت، حين تتآمر الأيام لتنزع عنك ملامحك. أن تمرّ بك الخيبة فلا تكسرك، وأن يطول الغياب فلا يتحول الشوق إلى سخط، وأن يعصرك الفقد فلا تخسر قدرتك العذبة على ملامسة الجمال.
أن تتعب حتى ينهكك التعب، ثم لا تجعل من تعبك ذريعة لتتخلى عن نفسك.
الصبر الحق لا يعني أن يكون القلب صخرة صماء؛ بل لعل أكثر الصابرين صلابة هم أكثرهم رهافة. هم الذين يبكون إذا فاض الوجع، ويصمتون حين تعجز الحروف عن النطق، ثم يلملمون شتات أرواحهم ليكملوا المسير؛ متعلمين كيف ينهض الإنسان من رماد روحه، لا من أكتاف الآخرين.
وفي زوايا العمر، أوقات لا يُجدي معها تدبير، ولا ينقذك فيها سوى اليقين. أن تثق بأن ما تأخر لم يُكتب له الفناء، وأن الأبواب التي أُوصدت في وجهك ما كانت إلا حماية لخفايا غيبية، وأن هذا الدرب الطويل ما طال إلا لتصل ناضجًا، لا متعجلًا.
كم تبصرنا الأيام متأخرين بأننا كنا نطلب شيئًا، فمنحتنا شيئًا أعظم: الحكمة.
وحتى النجاح، له وجه خفي لا يلمحه العابرون. لا يرون سوى لحظة الضوء، متغافلين عن عتمات الليالي الطويلة، وعن المعارك الطاحنة التي خاضها المرء مع ذاته كي لا يستسلم.
فلا تحتقر بطء خطواتك؛ فالبطء أحيانًا ليس عجزًا، بل هو نحت خفي في صخر الأيام.
فلا تفزع من طول الطريق؛ فبعض الدروب تُقاس بالعمق لا بالمسافات، وبحجم الإنسان الذي تتشكل ملامحه وأنت تعبرها.
وإذا ضاقت بك السُّبل، فتذكر أن هذه عثرة عابرة، وليست كتاب العمر كله.
اصبر، ولا تقف.
اهدأ، ولا تستسلم.
واترك للأيام أقدارها التي تفوق قدرتك على الاحتمال.
ربما يأتي يوم تلتفت فيه خلفك، لا لتسأل بمرارة: لماذا تأخر الفرج؟ بل لتبتسم وأنت تفهم الحكمة من وراء كل عتمة مررت بها.
وحينها فقط، ستدرك أن الصبر لم يكن الجسر الذي أتاك بما تمنيته فحسب، بل كان المعجزة التي أعادتك إليك.



