
“حين يصبح العناد غباءً يرتدي ثوب القوة” …… للكاتبة الجوهرة الحمد
من أكثر الجمل التي يقولها بعض الناس بفخر(أنا عنيد، وإذا أخذت قرارًا لا أتراجع عنه )وكأن عدم التراجع دليل قوة، بينما قد يكون أحيانًا دليلًا على عجز الإنسان عن الاعتراف بأن قراره الأول لم يكن صحيحًا. المشكلة أن بعض الناس يربطون القرار بالكرامة، فإذا ناقشته في رأيه شعر أنك تنتقص منه، فيبدأ بالدفاع عن نفسه بدل أن يدافع عن الفكرة، وهنا يدخل في مشكلات كثيرة؛ قد يخسر علاقة لأنه يرفض الاعتذار، أو فرصة لأنه لا يريد تغيير موقفه، أو يستمر في قرار مالي أو مهني خاسر فقط لأنه لا يريد أن يقول: أخطأت. وفي علم النفس نجد ما يسمى بالانحياز التأكيدي؛ حيث يبحث الإنسان عما يؤيد رأيه ويتجاهل ما يخالفه، وكذلك مغالطة التكلفة الغارقة؛ حين يستمر في قرار خاسر لأنه دفع فيه وقتًا أو مالًا أو جهدًا، فيقول: بعد كل هذا أتراجع؟ بينما قد يكون التراجع في تلك اللحظة هو أكثر القرارات ذكاءً. والتاريخ نفسه يثبت أن تغيير القرار ليس ضعفًا .جون كينيدي بعد كارثة خليج الخنازير أعاد النظر في طريقة اتخاذ القرار، وأصبح في أزمة الصواريخ الكوبية أكثر حرصًا على سماع الآراء المختلفة ودراسة البدائل، ونيلسون مانديلا لم يجعل أسلوب المواجهة هدفًا بحد ذاته، بل انتقل عندما تغيرت الظروف إلى التفاوض والمصالحة لتحقيق الهدف الأكبر، وكذلك كثير من القادة غيّروا استراتيجياتهم عندما تغيّرت المعطيات، لأنهم فهموا أن القيادة ليست أن تقول (قلت ولن أتراجع )بل أن تقول (هذا كان قراري بناءً على ما أعرفه، أما اليوم فقد تغيرت المعلومات، ولذلك سيتغير قراري )الفرق كبير بين الثبات والعناد؛ الثابت يتمسك بالمبدأ لكنه يغير الطريق إذا اكتشف طريقًا أفضل، أما العنيد فقد يضيع الهدف كله فقط حتى لا يعترف بأن الطريق الذي اختاره كان خطأ. لذلك لا يعجبني من يفاخر بقوله (أنا لا أتراجع عن قراراتي )لأن الذكاء ليس في أن تثبت أنك كنت محقًا، بل في أن تبحث عما هو صحيح الآن. القوي يستطيع أن يقول: أخطأت، أما العنيد فيبحث عن ألف مبرر حتى لا يقولها. وأحيانًا لا يخسر الإنسان بسبب أعدائه ولا بسبب قلة الفرص، بل لأنه ظل يدافع عن قرار انتهت صلاحيته منذ زمن. فلا تقل بفخر أنا عنيد، قل: أنا ثابت حين يجب الثبات، ومرن حين تثبت لي الحقيقة أن الطريق تغيّر.



