مقالات

في حضرة العفو.. تتجلى معادن الرجال بقلم الكاتب عبدالله بن محمد بن هويمل السبوت العطوي

في مواقف الحياة التي تختبر معادن الرجال وتكشف حقيقة القيم التي يحملها الإنسان في قلبه تبرز مواقف عظيمة لا تقاس بالكلمات ولا تختصر في عبارات الثناء وإنما تبقى شاهدة على أصالة صاحبها ونبل معدنه . ومن تلك المواقف الإنسانية والبطولية المشرفة موقف إبراهيم بن سلامة الأرينبي الحويطي حين اختار العفو والتنازل عن قاتل ابنه عبدالعزيز بن عبدالله العطوي ابتغاءً لوجه الله تعالى بعيدًا عن طلب المدح أو الشهرة أو الوجاهة .

      إن التنازل عن حق عظيم ولا سيما حين يتعلق الأمر بفقد الابن ليس بالأمر الهين فهو موقف يحتاج إلى قلب كبير وإيمان راسخ ونفس قادرة على تجاوز ألم الفقد وجراحه ولذلك فإن هذا العفو يمثل صورة سامية من صور التسامح والعفو والإيثار ويجسد قول الله تعالى : ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) .

وما قام به إبراهيم بن سلامة الأرينبي الحويطي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد تنازل عن حق بل هو موقف يحمل معنى إنسانيًا واجتماعيًا عميقًا ويؤكد أن هناك رجالًا حين تحضر المواقف الصعبة يعلون فوق الجراح ويجعلون رضا الله ومصلحة المجتمع فوق كل اعتبار وليس مستغربًا مثل هذا الموقف من أهل الجود والطيب والعلم الغانم ولا من رجل ينتمي إلى قبيلة عريقة عرفت برجالها ومواقفها وقيمها كما أن هذا الموقف يعكس عمق الروابط التي تجمع قبيلة الحويطات وقبيلة بني عطية من روابط الدم والنسب والجوار والتاريخ المشترك وهي روابط تتجاوز حدود المصالح العابرة وتؤكد أن القبائل الأصيلة تزداد قوة وتماسكًا عندما تقف في الأزمات والمواقف الصعبة موقف الأخوة والتسامح والتراحم .

    إن العفو في مثل هذه المواقف لا يعني نسيان الألم ولا يمحو مرارة الفقد وإنما يعني أن الإنسان اختار أن يجعل من مصيبته بابًا للأجر ومن ألمه موقفًا للخير ومن قدرته على العفو رسالة لأبنائه ومجتمعه وهذا من أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان حين يبتلى بمصيبة عظيمة .

      ويأتي هذا الموقف النبيل في دولة جعلت من حفظ الحقوق وإقامة العدل وتعزيز قيم التسامح والإصلاح ركائز راسخة في المجتمع في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز  وسمو أمير متطقة تبوك الأمير فهد بن سلطان حيث تحظى قيم العفو والإصلاح ولم الشمل بمكانة كبيرة وتشجع المواقف التي تسهم في تعزيز اللحمة الوطنية والاجتماعية . 

 إن العفو الذي صدر من والد الفقيد  ومن أهله يمكن أن يبقى أثرًا من آثار هذا الراحل وذكرى طيبة تُضاف إلى سيرته ورسالة محبة وسلام تصل إلى الجميع والموقف الذي صوره إبراهيم بن سلامة الأرينبي الحويطي يستحق التقدير والاحترام لا لأنه تنازل عن حق فحسب بل لأنه قدم نموذجًا نادرًا في العفو عند المقدرة، وتقديم مرضاة الله على رغبات النفس وتغليب روابط الأخوة والنسب والجوار على جراح الفقد وهو موقف يرفع الرأس ويؤكد أن الجود ليس في المال وحده وأن الكرم الحقيقي قد يكون في لحظة يستطيع فيها الإنسان أن ينتصر لنفسه، لكنه يختار أن ينتصر لقيمة أعظم  ( العفو لوجه الله ) .

   كتب الله لإبراهيم بن سلامة الأرينبي الحويطي أجر العفو والتنازل وجعل هذا الموقف في ميزان حسناته وأدام بين قبيلتي الحويطات وبني عطية وجميع القبائل المحبة والألفة وصلة الرحم والجوار وحفظ الله بلادنا وقيادتها وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار والتلاحم . 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى