
” فجوة لا تُغلق ” . للكاتبه والاعلاميه – موضي بنت سليمان
من أشد محطات الوجع خفاءً وأعظمها ثقلاً على الروح، تلك المعركة الصامتة التي يخوضها الإنسان حين يكتشف فجأة أن من يحبهم يسكنون في عوالم فكرية بعيدة، تفصل بينه وبينهم مسافات شاسعة لا تقطعها خطوات القرب ولا تجسرها أواصر المودة. إنها غربة الروح داخل حدود الألفة، حيث تقف وجهاً لوجه أمام شخص تشارك الأيام تفاصيله، لكنك تعجز تماماً عن استيعاب منطقه، فتجد نفسك غارقاً في معضلة قاسية تتمثل في كيفية حب شخص تعجز عن فهم طرائق تفكيره، رغم رغبتك العميقة والصادقة في ذلك.
فالاختلاف بين البشر سنة كونية وأمر وارد، بل إنه قد يكون مخصباً للعلاقات ومثرياً لها إذا ما توافرت المساحة الواعية لقبوله، لكنه حين يتسع ليغدو فجوة عميقة في جذور التفكير، يتحول تدريجياً إلى قطيعة شعورية خفية تنفر منها الفطرة السوية. وهنا يتهاوى الوهم القديم بأن القرب الجسدي أو الملازمة اليومية كفيلان بردم هذه الهوة؛ فمهما تقاربت الأبدان واصطفت الخطى، تظل العقول مغتربة إن لم تجمعها لغة مشتركة تؤنس وحشتها وتفك أسرارها. ومن هنا تتجلى القسوة الحقيقية في ذلك التساؤل المؤلم: الجسم إن أعيته عُري الواقع يستره لباس يقيه عيون الناظرين، فبأي نسيج يُغطى العقل إذا انكشفت عورته الفكرية وتباعدت أطرافه؟ إن الفكر لا تستر سوءته مساحيق المجاملة، ولا تخفيه أردية التظاهر بالانسجام، فهو عارٍ أبداً بحقيقته، يرفض الادعاء وينفر كلما ارتطم بجدار الجهل بطبيعة جوهره.
ورغم أن المحبة الصادقة غالباً ما تُوصف بأنها سامية وغير مشروطة، إلا أن بناء العلاقات واستمراريتها لا يمكن أن يقوما على العاطفة وحدها بمعزل عن العقل؛ فهي بحاجة ماسة إلى استيعاب متبادل، وإلى عقل يدركك وتدركه. فالنفس البشرية مجبولة بطبعها على البحث عن مرآة ترى ذاتها في الآخر، وعن فكر يشبهها أو يفهم طرائق تأملها للحياة. فكيف لمن يرغب بحق في بناء علاقة متينة أن يستقيم له ذلك مع شخص يجهل تماماً مفاتيح إدراكه؟ وكيف للمرء أن يشيد بيتاً معنوياً آمناً على أرض رديئة التأسيس من حيث التوافق العقلي؟
إن استمرار العلاقات على كف التنازلات المستمرة والتسامح المفرط أشبه بالترقيع الدائم في ثوب مهترئ؛ فمهما أوتيت من رحابة صدر، وبلغت من درجات العفو وتجاوز الهفوات، وتظاهرت بالقدرة على احتمال هذا التباين الشاهق، سيأتي يوم تضيق فيه الأنفاس، وتنفجر الروح في وجه هذا التناقض المستمر. وحينها تدرك يقيناً أن القرب الحق لا يُقاس بالأميال التي تقطعها إليك أقدامهم، ولا بالأيام التي تقضونها تحت سقف واحد، بل بمقدار ما يمتلكه الطرف الآخر من قدرة على فهمك، واستيعاب دواخل روحك، واحتضان عوالمك بوعي وإدراك حقيقيين.
ولعل الإنسان لا يحتاج في رحلته إلى من يوافقه في كل رأي، بقدر ما يحتاج إلى من يراه بعين الفهم قبل عين الحكم، ويصغي إلى ما وراء كلماته قبل أن يطالبه بالشرح. فالعلاقات لا يثبتها التشابه وحده، ولا يحفظها الحب وحده، وإنما يقوم بنيانها على ذلك الجسر الخفي الذي يصل روحاً بروح: الفهم. فحين يغيب الفهم، يصبح القرب شكلاً بلا معنى، وتغدو المودة عبئاً لا سنداً؛ لأن الفهم هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات، وما عداه لا يورث إلا هشاشةً سرعان ما تنكشف.



