مقالات

جزاع بن كريم سيرة رجل كتبتها المحبة قبل التاريخ .بقلم الإعلامي عبدالرحمن العطوي

هناك رجال إذا غابوا بقيت سيرتهم حاضرة في المجالس وإذا رحلوا تحولت جنازاتهم إلى مشهد يروي للأجيال مكانتهم دون أن يحتاج إلى كثير من الكلمات فالرجال يعرفون بمواقفهم ويعرف قدرهم يوم يودعهم الناس وهذا ما تجسد بكل معانيه في وداع شيخ قبيلة بني عطية الشيخ جزاع بن كريم بن عطية العطيات العطوي رحمه الله
لم تكن الجموع الألوفية التي اكتظ بها جامع الوالدين في تبوك ثم المقبرة مجرد حضور لأداء واجب العزاء وإنما كانت شهادة صادقة كتبها الناس بأقدامهم قبل ألسنتهم ورسالة وفاء لرجل عاش بينهم كبيرا في أخلاقه قبل مكانته وقريبا من الجميع بكرمه وإصلاحه وسعة صدره وحكمته حتى أصبح اسمه مرادفا للخير والمروءة وإصلاح ذات البين
ولم يكن تقدم صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز أمير منطقة تبوك وسمو نائبه الأمير خالد بن سعود بن عبدالله الفيصل للصلاة على الفقيد ومشاركة أسرته وأبنائه وذويه مصابهم إلا امتدادا لنهج القيادة في الوفاء لأهل الفضل وتقدير الرجال الذين خدموا مجتمعهم بإخلاص كما عكس عمق العلاقة التي تربط قيادة المنطقة بأبنائها ومشايخها وأعيانها في مشهد إنساني يجسد التلاحم الحقيقي
لقد تقاطرت وفود العزاء من كل مكان وجاء مشايخ القبائل والأعيان والوجهاء والمسؤولون ومحبو الفقيد وأبناء قبيلة بني عطية يستقبلون المعزين في صورة اختزلت تاريخ رجل لم يبن مكانته بمنصب ولا جاه وإنما بناها بالمواقف والخلق الكريم وحسن المعشر حتى أصبحت محبته رأسماله الأكبر الذي ظهر جليا في يوم الوداع
ولعل من أصدق ما قيل في حق الفقيد كلمة معالي الشيخ عبدالعزيز بن صالح الحميد الذي تحدث عن الشيخ جزاع حديث العارف بسيرته والمطلع على خصاله فاستحضر مآثره وأثنى على ما عرف عنه من خير وخلق وإصلاح بين الناس مؤكدا أن فقده ليس خسارة لأسرته وقبيلته فحسب بل خسارة لكل من عرفه وتعامل معه وأن الرجال يبقون بما قدموه من أعمال صالحة وسيرة حسنة وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا ينقطع برحيل صاحبه
إن التاريخ لا يخلد كل الأسماء وإنما يحتفظ بمن صنعوا أثرا في حياة الناس والشيخ جزاع بن كريم كان واحدا من أولئك الذين تركوا خلفهم سيرة ناصعة ومحبة واسعة واحتراما راسخا لا تصنعه الكلمات ولا المجاملات وإنما تصنعه سنوات طويلة من العطاء والوفاء والصدق
وربما كانت جنازته هي أبلغ سطور سيرته فالجموع التي احتشدت والدعوات التي ارتفعت والدموع التي سالت والمواساة التي توافدت من كل حدب وصوب كلها كانت شهادة لا يمكن أن تمنح إلا لمن استقر في القلوب قبل أن يسكن الثرى
رحم الله الشيخ جزاع بن كريم بن عطية العطيات العطوي رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى وجزاه عن أهله وقبيلته ووطنه خير الجزاء وألهم الجميع الصبر والسلوان وجعل ما قدمه من خير وإصلاح وبر وإحسان في ميزان حسناته
عبدالرحمن محمد الجويان العطوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى