
“رحمة مؤجلة إلى حين” بقلم الكاتبة والإعلامية: موضي بنت سليمان
ما تلبدت سماء الابتلاء بغيوم العسر، إلا وأودع الباري في مخاض عسرها أسرارًا من اليسر لا تبصرها عيون اللحظة، بل ترتد خاشعة عند حجاب الغيب. فإذا تجلى الفرج، لم يأتِ على مقاس الأمنيات الضيقة، ولا على صورة ما نسجته الخيالات، بل جاء مهيبًا، متسقًا مع حكمةٍ أحاطت بكل شيء، ورحمةٍ وسعت كل شيء. فتدبير الخالق أسمى من أن تحدَّه قيود نظر البشر، وأوسع من أن تحتوي مداه عقولهم.
وهنا، في محراب اليقين، تولد السكينة الحقّة؛ سكينة قلبٍ ألقى بأزمته إلى باريه، فأيقن أن اختيار الله لعبده أطهر وأعذب بكثير من اختياره لنفسه، وأن ما يسوقه الغيب من أقدار ـ وإن بدا في مطلع العهد قاسيًا ـ ليس سوى لطفٍ مغلَّف بالصبر، ينتظر وقت انكشافه.
وكيف يتسلل الوهن إلى قلبٍ يستشعر معيةً إلهيةً تحيط بكل خفايا الروح، سميعةً للنجوى، عليمةً بما يختلج في الصدور من خوفٍ ورجاء؟ إن العارف بربه حق المعرفة لا يسقط في بئر القنوط، بل يوطّن نفسه على حسن الظن، يأخذ بأسباب الأرض متوكلًا، ثم يرضى بحكم السماء مطمئنًا. إنه يدرك بيقينٍ راسخ أن وراء كل عتمةٍ فجرًا، وخلف كل انقباضةٍ بسطةً، وأن ما يبدو في ظاهر الأمر منعًا، قد يكون في باطن الحكمة أعظم عطاء.
نحن البشر لا نرى من لوحة القدر الكبرى سوى زاوية ضيقة، فنحسب تشابك الخطوط العشوائية اضطرابًا، ولو أُتيح للعين أن ترى اللوحة في كليتها المتكاملة لأبصرت من التناغم والجمال ما يذيب كل حيرة. وهكذا هي أقدار الله؛ تخفي حكمتها اليوم، لتكشفها الأيام غدًا، فيدرك العبد حينها أن ما ظنه حرمانًا كان وقاية، وما حسبه انكسارًا كان ميلادًا جديدًا لجبر خاطرٍ لا ينقطع.
ومن هنا تشرق الآية الكريمة كالميزان الذي يرد القلب كلما اضطرب:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾،
لتذكّر الإنسان دومًا بقصور إدراكه في مواجهة الكمال المطلق للعلم الإلهي.
كم من أمرٍ بكينا لفواته، ثم أدارت الأيام رحاها، فإذا بالحمد يسبق الحسرة! وكم من بابٍ ألححنا في طرقه، فلما أُغلق في وجوهنا أدركنا أن النجاة كلها كانت في انصرافنا عنه. إنها سنة إلهية تتكرر في مسيرة المؤمن، حتى يطمئن إلى أن اختيار الله لعبده أرحم وأحكم.
ولذلك جاء التذكير القرآني بحقيقة الضعف البشري:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾،
فلا يليق بمن أوتي قسطًا يسيرًا من العلم أن يعترض على من وسع علمه كل ذرة في الوجود، ولا أن يضيق صدره بما استأثرت به الحكمة. فشأن المؤمن الحق هو الركون إلى وعد الله، والاستراحة إلى قضائه، واليقين بأن ما تأخر انكشافه هو ما هُيِّئ ليكون الأفضل.
فلتسكن نفسك، وليطمئن قلبك؛ فإن التسليم لله ليس استسلامًا لعجز، بل هو تمام القوة وكمال العبودية بعد استنفاد الأسباب. وإذا ضاقت بك السبل، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، فتذكر الوعد الذي لا يخلف الميعاد:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
واستيقن أن رحمة الله أوسع من همومك، وأن لطفه يأتيك من حيث لا تحتسب، وأن وراء كل قدرٍ مؤلمٍ أفقًا لا تبلغه أعيننا، لكنه في علم الله ظاهر، وفي محيط رحمته غارق، وماضٍ حتمًا بك نحو خيرٍ كُتب لك قبل أن تولد.



