مقالات

حين تنحني القامات.. لتعانق القلوب[ سرُّ الاعتذار للطفل ]بقلم: منيرة عوض الله الحربي

في دروب التربية الوعرة، نُمضي سنواتنا نُلقن صغارنا فنَّ الاعتذار؛ نُردد على مسامعهم “أنا آسف” كأنها تعويذة سحرية تفتح أبواب القلوب. لكننا، في خضم هذه الرحلة، قد ننسى سؤالاً جوهرياً يمسُّ لبّ الوجود التربوي: هل نملك نحن -كآباء وأمهات- شجاعة التنازل عن “عروشنا” لنعتذر لهم؟

عندما تنحني الأم لتواجه عيني طفلها، وتهمس بصوتٍ يملؤه الندم: “أنا آسف لأنني صرخت”، فهي لا تُقدم اعتذاراً عابراً، بل تغرس في أعماق صغيرها درساً في الإنسانية يفوق بليغه أطنانَ النصائحِ الجافة.

من مِشكاة النبوة:
قِمة الرُقي إنَّ مَن نتخذ من سيرته نبراساً، النبي محمد ﷺ، قدَّم لنا في تعامله مع الأطفال دستوراً للذوق الرفيع والذكاء العاطفي. لم يرهُ ﷺ يوماً “هيبةً” تقتضي التصلب، بل كان حنواً يتجلى في أبهى صوره؛ يطيل سجوده إن ارتحله الحسن والحسين رحمةً بطفولتهما، ويُلقي التحية على الصبيان كأنهم رجالٌ مكتملو القَدْر. لقد كان اعتذاره وتلطفه ﷺ استشعاراً لمشاعر الصغار، وتعليماً لنا بأنَّ الرحمة هي لغة الكبار الحقيقية.

الاعتذار….. لا يكسر هيبة، بل يبني سداً من الثقة
لا تزال بعض العقول أسيرة لصورةٍ نمطيةٍ تُقدس الحزم وتعتبر الاعتذار للطفل “انكساراً”. والحقيقة التربوية الناصعة أنَّ الاعتذار هو أسمى درجات الثقة بالنفس. هو إعلانٌ شجاعٌ أمام الطفل بأننا بشرٌ نخطئ، نصيب، نتعلم، وننمو، مما يجعل الصغير يُدرك أنَّ “الخطأ” ليس نهاية العالم، بل بداية رحلة الإصلاح.

كيف ينسج الاعتذار خيوط الشخصية؟
حين تختار الاعتذار، أنت لا تعتذر عن موقفٍ عابر، بل تضع لَبِناتٍ في بناء طفلك:

مسؤوليةٌ تُورث: يرى طفلك فيك القدوة؛ فإذا تحملت مسؤولية أخطائك، سيغدو هو رجلاً أو امرأةً لا يهربون من تبعات أفعالهم.

ذكاءٌ عاطفي: أنت تُعلمه أن يشعر بألم الآخر، وهو جوهر التعاطف الذي سيجعله إنساناً مُحباً ومفهوماً للآخرين.

ملاذٌ من الأمان: الاعتذار يكسر سياج الخوف، ويجعل قلب طفلك وطناً آمناً لك، يثق فيه بحكمتك ويستشعر فيه احترامك لكيانه.

وعيُ “التصرف بالمثل”: يتعلم طفلك أنَّ لكل فعل ردة فعل، وأنَّ المحاسبة تبدأ من “الذات” قبل أن تمتد للآخرين.
ختاماً… التربيةُ ميثاقٌ نبيل
الاعتذار للصغار ليس ضعفاً، بل هو “قوةٌ ناعمة” تُنبت في قلوبهم زهور التقدير. هو التزامٌ أخلاقي يخبرهم أنَّ الخطأ ليس عيباً، بل العيب هو التمادي في الغرور.
لذا، في المرة القادمة التي تستنزفك فيها ضغوط الحياة وتفقد أعصابك، لا تتعلل بالهيبة.. بل انزل إلى مستواهم، تواصل مع نظراتهم، وقل بصدق: “أنا آسف”. ستندهش كيف تذوب جبال الجفاء، وكيف ينمو في قلب طفلك تقديرٌ وحبٌّ سيبقى غراساً يانعةً ترافقه طوال العمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى