مقالات

كأنها كانت تستعجل الخير . بين العلا وتبوك … قرأتُ فصلًا من سيرتها …. بقلم أمل عايش الجهني

بعض الناس تحتاج سنوات طويلة لتكتشف معدنهم الحقيقي، بينما يكفي مع آخرين وقت قصير لتدرك أنك أمام روح استثنائية. هكذا كانت الدكتورة عائشة الحكمي ـ رحمها الله ـ؛ جمعت بين الثقافة الرفيعة والخلق النبيل، وبين جمال الكلمة وصدق العمل.

بعد انتهاء معتزل العلا الثقافي، وفي طريق عودتنا إلى تبوك، أتيحت لي فرصة التعرف عن قرب إلى جانب آخر من شخصيتها. كانت رحلة لا تتجاوز ساعات قليلة، لكنها حملت في تفاصيلها دروسًا عميقة في الإنسانية والإحسان.

بدأت تلك المواقف تتكشف منذ وصولنا إلى محطة النقل الجماعي؛ إذ فوجئت بها تدفع قيمة تذكرة عودتي. ثم ابتسمت عندما أوضح الموظف أن انخفاض قيمة تذكرتها يعود إلى امتياز مخصص لمن تجاوزوا الستين عامًا، وقالت بامتنان: «الله يعز المملكة، تراعي أدق التفاصيل للمواطنين».

وبعد ذلك، وخلال فترة الانتظار، لم تنشغل بنفسها فقط. فحين انتهت من أداء صلاتها التفتت إلى من حولها، ولمحت عاملًا لا يملك كامل قيمة تذكرته، فسارعت إلى مساعدته وأصرت على ذلك رغم محاولته الاعتذار. كان فعل الخير لديها أمرًا طبيعيًا تمارسه بعفوية ودون تكلف.

ثم انتقلت تلك الروح النبيلة معنا إلى الحافلة. فعندما نشب خلاف بين سيدتين أثناء الرحلة، تدخلت بهدوء وحكمة للإصلاح بينهما. لم تنحز إلى طرف، بل سعت إلى تهدئة النفوس وتقريب وجهات النظر. وما إن هدأت الأجواء حتى أخذت توزع ما معها من ضيافة على الركاب، ثم عرضت مقعدها على سيدة مسنة، وكأنها تؤمن بأن نشر المودة هو الطريق الأقصر لإطفاء الخلافات.

وعندما وصلنا إلى تبوك، ظننت أن ما رأيته من كرم وإحسان قد اكتمل. لكن بعد دقائق تلقيت منها اتصالًا تخبرني بأنها حجزت عشاءً لي ولعائلتي وأعدّت كل شيء مسبقًا. حاولت الاعتذار، لكنها أصرت على أن أقبل، وعدّت ذلك من حقوق الصحبة ووفاء الرفقة.

وبعد رحيلها، كثيرًا ما استعدت تلك الساعات الثلاث، فوجدتها تختصر سيرة إنسانة كاملة. ففيها رأيت الصدقة والإحسان، وإكرام الصحبة، ومساعدة المحتاج، والإصلاح بين الناس، وجبر الخواطر، ونشر الألفة.

ثلاث ساعات فقط كانت كافية لأشهد بطيب معدنها ونبل روحها، فكيف بمن عاشرها سنوات طويلة؟ وكم من المواقف الجميلة والأعمال الخفية والقلوب التي جبرتها لا يعلم عنها إلا الله؟

لقد رحلت الدكتورة عائشة الحكمي، لكن أثرها بقي حيًا في ذاكرة كل من عرفها. كانت تؤمن أن الثقافة ليست مجرد كلمات تُقال على المنصات، بل قيم تُترجم إلى سلوك يومي، وأن حقيقة الإنسان تتجلى في المواقف العابرة التي قد لا يلتفت إليها أحد.

رحم الله الدكتورة عائشة الحكمي رحمة واسعة، وجعل ما قدمته من خير وإحسان في ميزان حسناتها، وأسكنها فسيح جناته، وجمعها بمن أحبت في مستقر رحمته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى