
يوم عرفة .… حين تتغيّر الأقدار وتُستجاب الدعوات … بقلم الكاتبه والاعلاميه سوزان الشمري
(سوزان الشمري )
في مواسم العمر أيامٌ تمرّ عابرة، وأيامٌ تبقى أثرًا خالدًا في الوجدان، غير أنّ يوم عرفة يظلّ أعظمها شأنًا، وأعمقها أثرًا، وأقربها إلى الروح. فهو ليس يومًا عاديًا في ذاكرة الزمن، بل نفحة ربانية تتنزّل على القلوب فتغسل عنها أثقال الحياة، وتعيد إليها يقينها بعد طول تعبٍ وضياع.
في هذا اليوم المبارك، تتجلّى معاني العبودية بأسمى صورها، حين يقف الحجيج على صعيد جبل عرفة، في مشهدٍ تهتزّ له الأرواح قبل الأبصار؛ ملايين البشر اجتمعوا تحت سماء واحدة، بثيابٍ بيضاء متشابهة، لا يفرّق بينهم جاهٌ ولا سلطان، ولا مالٌ ولا نسب، وكأنّ البشرية كلّها تعود إلى حقيقتها الأولى: عبادًا ضعفاء يقفون بين يدي الله، يرجون رحمته ويخافون حسابه.
وما أعظمها من لحظات…
حين تمتزج الدموع بالدعوات، ويضجّ الكون بنداءات التائبين، وتعلو الأكفّ المرتجفة نحو السماء، محمّلةً بأوجاع السنين، وآمال القلوب، وأحلامٍ طال انتظارها. هناك، يشعر الإنسان أنّ المسافات بين الأرض والسماء قد اختفت، وأنّ رحمة الله أقرب إليه من أنفاسه.
إنّ يوم عرفة ليس مجرّد مناسبة دينية، بل هو يومٌ تتبدّل فيه الأرواح، وتُراجع فيه النفوس حساباتها، وتُفتح فيه أبواب الرجاء على اتساعها. فيه يعود المذنب بقلبٍ منكسر، ويأتي المهموم مثقلًا بأحزانه، ويرفع المظلوم دعاءه بيقين، وكلّهم يحملون الأمل ذاته: أن يبدّل الله حالهم إلى أفضل مما كانوا يتمنّون.
وفي عرفة، تتجلّى حقيقة الدعاء؛ تلك العبادة العظيمة التي تربط العبد بربّه في أصدق حالاته. فما أكثر الدعوات التي وُلدت في لحظات انكسار، ثم صعدت إلى السماء في هذا اليوم العظيم فعادت إلى أصحابها نورًا وفرجًا واستجابة. هنا يدرك المؤمن أنّ الله لا يردّ قلبًا صادقًا، ولا يخيّب روحًا جاءت إليه مؤمنةً برحمته.
ومع اقتراب غروب شمس عرفة، تتضاعف رهبة المشهد، وتزداد القلوب تعلقًا بالدعاء، خوفًا من انقضاء هذه الساعات المباركة قبل أن تنال نصيبها من المغفرة والقبول. فتسيل الدموع بحرارة، وتلهج الألسنة بالاستغفار، وكأنّ الأرواح تتشبّث بلحظات الرحمة الأخيرة قبل أن يغيب النهار.
إنّه اليوم الذي تتغيّر فيه الأقدار بإذن الله، وتُكتب فيه البدايات الجديدة، وتُجبر فيه القلوب المنكسرة، ويولد فيه الأمل من رحم الدعاء. يومٌ يشعر فيه الإنسان أنّه مهما أثقلته الحياة، فإنّ باب الله سيظلّ مفتوحًا، وأنّ رحمته أوسع من كلّ خطايا البشر وآلامهم.
فطوبى لمن أدرك يوم عرفة بقلبٍ حاضر، وروحٍ صادقة، ودعاءٍ خرج من أعماق اليقين…
فلعلّ دعوةً واحدة في هذا اليوم المبارك تكون بداية عمرٍ جديد، وحياةٍ امتلأت بالنور بعد طول انتظار



