اخبار فنية

حمد التميمي يحوّل أغنية أصالة نصري إلى وثيقة إدانة.. “المنتقم: قطار الفرح” يُسمع صوتها في قاعات العدالة الدولية

ثلاثة كراسٍ، محطات لا تُنسى، ورحلة إنسان كاملة من الصمت إلى الشهادة. هكذا يختصر الروائي القطري حمد حسن التميمي روايته «المنتقم: قطار الفرح» التي أنهى كتابتها عام 2024 في شيكاغو وهو يسهر على والدته المريضة، وانتظر بها حتى سقط النظام السوري عام 2025، ليُطلقها للعالم عام 2026 من السعودية شهادةً تصرخ في وجه التاريخ.
الكرسي الأول في قاعة 204 بجامعة دمشق فارغٌ بعد أن اقتادت أجهزة الأمن “راني خليفة” لمجرد كلمة قالها عن العدالة. لكن ما لا يعرفه القارئ بعد هو أن رحلة “راني” نحو صيدنايا لم تكن مباشرة، بل مرّت بحدود تتاجر بالأرواح، وشبكات تبيع البشر بالدولار ورشاوي تُدفع في المعابر ثمناً للعبور أو للصمت، في رحلة عبور موثقة بتقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش جعلت التميمي يصف ما وصفته هذه المنظمات بـ”المسلخ البشري” بلغة روائية تخترق القلب قبل العقل.
الكرسي الثاني معدني بارد في غرفة تحقيق صيدنايا حيث تبدأ ما أسماها السجانون ساخرين “قطار الفرح”: محطات إذلال ممنهجة تُجرّد الإنسان من اسمه وكرامته وكل ما يجعله إنساناً، موثقة بشهادات 65 ناجياً في تقارير منظمة العفو الدولية. والكرسي الثالث في قاعة محكمة كوبلنز الألمانية حيث يجلس “راني” شاهداً يواجه جلاده العقيد “عاصم الجبوري” بعد تهريب ملف أمني يدينه، في مواجهة تحوّل الذاكرة إلى سلاح والضحية إلى قوة.
هذه المحطات لم تكن لتُروى لولا صوت واحد منح “راني” القدرة على البقاء صوت أصالة نصري. في فصله الأخير، يكشف التميمي أن أغنيتها «لو هالكرسي بيحكي» التي أطلقتها عام 2012 وتحمّلت بسببها مذكرات توقيف ومحاولات ممنهجة لإسكاتها، كانت الروح الخفية التي سكنت الرواية من أولها إلى آخرها. فيما باع زملاؤها أصواتهم للمخابرات، اختارت هي “شرف المنفى على ذل الخنوع” ولهذا يضعها التميمي في مصافّ أم كلثوم وفيروز، ويُعلن أنها “ضمير حي رفض أن ينحني للعاصفة”.
والرواية التي تحمل في بنيتها ابتكاراً فنياً غير مسبوق إذ جعل التميمي فصوله الـ32 تحمل أسماء مسلسلات سورية خالدة، من بينها: ” وجه العدالة”، ” أحقاد خفية”، ” اختفاء رجل”، ” لعنة الطين”، و ” نهاية رجل شجاع” تحوّل تلك الأسماء التي كانت يوماً عنوان السهرة العائلية أمام الشاشة إلى خريطة نفسية لرحلة سوريا من الحلم إلى الانهيار. وغلافها الذي يحمل وجه المؤثر طوني الشمري يطرح سؤالاً لا تجيب عنه خريطة ولا جواز سفر: هل يمكن للإنسان أن ينجو دون أن يتشظّى؟
وكما أن كل رحلة تحتاج محطة أخيرة، اختار التميمي أن تكون الرياض مدينة والد “راني” ومحطة جوهرية في رحلته هي المكان الذي تُطلق منه الرواية للعالم. فما بدأ في زنازين دمشق، ومرّ بحدود الاتجار بالبشر وأروقة برلين، وصل أخيراً إلى قلب الجزيرة العربية ليُعلن من هناك أن قطار الحقيقة لا يتأخر مهما طال انتظاره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى