مقالات

حين تتبدل قواعد اللعبة بعد 46 عاماً بقلم الكاتب حمد حسن التميمي

وقع بين يدي نص استوقفني طويلاً؛ لم يكتف بإثارة دهشتي، بل دفعني لإعادة قراءة أربعة عقود من تاريخ المنطقة المضطرب. وضعتُ الورق جانباً، ونظرت إلى المشهد المتلاطم من حولي، وتساءلت: كيف مرت 46 عاماً ونحن نرى العداء كحقيقة مطلقة وثابتة، بينما كانت تقاطعات المصالح في الغرف المغلقة ترسم واقعاً أكثر تعقيداً؟ إننا لا نشهد اليوم مجرد تصعيد سياسي، بل نشهد تحولاً في قواعد اللعبة التي حكمت المنطقة منذ عام 1979.
إن قراءة كتاب “التحالف الغادر” للباحث تريتا بارسي تمنحنا عدسة ضرورية لرؤية ما وراء الدخان. لا يقدم بارسي دليلاً على وجود تحالف سري أبدي، بل يوثق براغماتية قاسية حكمت العلاقات بين طهران وتل أبيب وواشنطن. حين نرى كيف تقاطعت المصالح في حقبات سابقة كفضيحة إيران-كونترا نفهم أن السياسة ليست ساحة للأخيار والأشرار، بل هي رقعة شطرنج يتبدل فيها الخصوم والشركاء بناءً على موازين القوى وحسابات النفوذ.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل هم أعداء أم حلفاء؟ بل: كيف أثرت هذه “البراغماتية” على المنطقة؟
لقد أدت هذه الديناميكية إلى صراع طويل على الهيمنة الإقليمية. كل طرف سعى لفرض أجندته على المشرق العربي، مستغلاً حالات الضعف السياسي. هذه ليست مؤامرة بقدر ما هي سلوك جيوسياسي تنافسي، حيث تسعى كل قوة لترسيخ نفوذها وتأمين مصالحها. إنهم لا يتصارعون من أجل مبادئ أيديولوجية فحسب، بل يتنافسون على مساحات نفوذ تجعل المنطقة ساحة مفتوحة للاستقطاب الدائم.
ولكن لماذا تبدو قواعد اللعبة وكأنها تتبدل اليوم؟ لأن التفاهمات الضمنية التي حكمت الاستقرار الهش لعقود قد استنزفت. لقد تضخمت الأطماع، وتشابكت الأزمات، ولم تعد أدوات الندية الحذرة قادرة على احتواء الطموحات الإقليمية. نحن لا نعيش نهاية عداء بسيط، بل نعيش لحظة إعادة تقييم شاملة، حيث لم تعد اللعبة التقليدية قادرة على إنتاج النتائج ذاتها.
أرى في الأفق القريب مرحلة أكثر وضوحاً؛ مرحلة لا يملك فيها صانعو القرار رفاهية ضبط الصراع عبر الرسائل المبطنة. إننا نتجه نحو مشهد تتصادم فيه المصالح بشكل مباشر وعلني. المستقبل لن ينتمي لمن يمتلك الخطاب الأكثر حماسة، بل لمن يمتلك الرؤية الأكثر واقعية لحماية مصالحه في إقليم بات أشبه ببرميل بارود.
ويبقى السؤال: كيف نستعيد زمام المبادرة؟ الأمر أبعد من مجرد رد فعل؛ إنه الانتقال إلى الفعل الاستراتيجي. الفاعلية الحقيقية تبدأ من تحصين الداخل؛ عبر استقرار اقتصادي، وتنمية مستدامة تجعل الأمن القومي أولوية مطلقة لا تابعة لأجندات الخارج. إن أقوى رد على لعبة المصالح ليس في الانفعال، بل في بناء جبهة داخلية صلبة تضع مصالحنا فوق صراعات الآخرين. إننا لسنا ملزمين بأن نكون وقوداً لنهاية هذا العرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى