
التكلّف الذي يقتل الود… كيف تحوّلت الضيافة من قيمة إنسانية إلى عبء اجتماعي؟
في زمنٍ كانت فيه البيوت تُفتح ببساطة، والزيارات تُقام بعفوية، والضيافة تُقدَّم بقدر ما يتيسّر، تسلّل التكلّف شيئاً فشيئاً حتى غيّر ملامح واحدة من أعرق القيم الاجتماعية؛ فلم تعد الضيافة كما عرفها الآباء والأجداد؛ خفيفة، صادقة، تُشعر الضيف بأنه في بيته؛ بل أصبحت لدى البعض مشروعاً مرهقاً، واستعداداً مبالغاً فيه، وسباقاً غير معلن لإظهار ما لا يلزم إظهاره.
الجملة التي تتردد اليوم في المجالس تلخّص المشهد بدقة: “التكلف في الضيافة أفسد معناها؛ أثقل البيوت، وأبعد الناس، وحوّل الزيارة من راحة إلى عبء، فالكرم حين يصبح استعراضاً يفقد بركته” ؛ وهي ليست مجرد عبارة، بل توصيف لواقع اجتماعي يلمسه الجميع دون استثناء.
لقد تحوّلت الزيارة – التي يفترض أن تكون مساحة للراحة وتبادل الود – إلى حدث يحتاج إلى ترتيبات طويلة، وشراء ما لا حاجة له، وتجهيزات تُرهق المضيف وتُحرج الضيف؛ هذا التوتر جعل كثيرين يترددون في زيارة أقاربهم وأصدقائهم، خشية أن يسببوا لهم مشقة، أو أن يجدوا أنفسهم في بيئة لا تشبه دفء العلاقات الحقيقية.
الضيافة في أصلها قيمة إنسانية قبل أن تكون مائدة عامرة؛ هي نية طيبة، وابتسامة صادقة، وكلمة ترحيب تسبق القهوة؛ لكنها حين تُحمَّل بما لا تحتمل، تفقد معناها وتتحول إلى عبء نفسي ومادي؛ فليس من الكرم أن يُرهق المضيف نفسه، ولا من الذوق أن يشعر الضيف بأنه سبب هذا الإرهاق.
إن العودة إلى البساطة ليست تراجعاً عن الكرم، بل عودة إلى أصله؛ فالقهوة والتمر وحدهما كافيان حين يكون الحضور صادقاً، والقلوب مطمئنة، والزيارة قائمة على الود لا على المظاهر؛ والضيف – كما تقول الحكمة – جاء لودّ لا لكلفة، جاء ليطمئن لا ليُرهق، جاء ليزور لا ليُحاسب على مستوى الضيافة.
إن إعادة ضبط مفهوم الضيافة ضرورة اجتماعية اليوم، ليس فقط لتخفيف الأعباء، بل لإحياء الروابط التي بدأت تضعف تحت ضغط المبالغة؛ فالعلاقات الإنسانية أثمن من أي مائدة فاخرة، والبساطة أقرب إلى القلب، وأبقى أثراً، وأصدق معنى.
الضيافة التي نحتاجها اليوم ليست تلك التي تُرهق البيوت، بل التي تُنعش القلوب؛ وليست التي تُقام من أجل الانطباع، بل من أجل الود؛ وحين نعود إلى هذا الأصل، نستعيد بركة الكرم، ونُعيد للزيارة روحها، وللبيوت دفئها، وللمجتمع تماسكه.
فالكرم الحقيقي… راحة، لا كلفة.



