مقالات

” خرافة الكمال “.. بقلم الكاتبه والاعلاميه موضي بنت سليمان

يُنظر إلى الكمال، في كثير من الأحيان، بوصفه غاية تُطلب وقمة يُسعى إلى بلوغها. غير أن هذا التصور، رغم بريقه، قد يخفي وراءه فخا نفسيا عميقا؛ إذ يتحول السعي إليه من دافع للتطور إلى عبء يُثقل الإنسان ويُبعده عن ذاته.

في التجربة الإنسانية، لا يكون الخطأ مجرد انحراف عن المسار، بل جزءًا أصيلًا منه. فالعثرات لا تعني النقص بقدر ما تمثل فرصا لإعادة التشكيل الداخلي، وإعادة اكتشاف ما قد يغيب عن الوعي في لحظات الاستقرار.

ومن هذا المنطلق، فإن التعلم لا يحدث رغم الأخطاء، بل غالبًا ما يكون بسببها.

ينشأ لدى بعض الأفراد اعتقاد خفي بضرورة الوصول إلى نسخة “نقية” من الذات؛ نسخة خالية من العيوب، لا تخطئ ولا تتغير.

إلا أن هذا التصور يثير تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يحقق كمالًا يُطالبه، ضمنيًا، بالتخلي عن إنسانيته؟ وأي معنى لكمالٍ لا يقبل الإنسان كما هو، إلا بعد أن يُجرده من طبيعته البشرية؟

إن النظر إلى الذات بوصفها مشروع إصلاح دائم قد يُفقدها عفويتها، ويجعلها رهينة لمعايير مثالية غير واقعية. في المقابل، يمكن فهم الإنسان باعتباره كائنًا في حالة تشكل مستمر، ينمو ويتغير عبر تجاربه، لا بعد أن يبلغ صورة نهائية مكتملة.

وعلى هذا الأساس، لا تعود التصدعات عيوبًا ينبغي إخفاؤها، بل نوافذ تُتيح دخول وعي جديد، لم يكن ليتحقق لولا تلك التجارب. فالشجاعة لا تكمن في الثبات المطلق، بل في القدرة على الاستمرار رغم احتمالات الانكسار. كما أن الوعي الحقيقي لا يتمثل في الظهور بمظهر مثالي، بل في مواجهة الفوضى الداخلية بصدق ومسؤولية.

أما الحكمة، فلا تُقاس بمدى تجنب الخطأ، بل بقدرة الإنسان على فهمه، ومراجعته، وتوظيفه بوصفه خبرة تُضيف إلى نضجه، لا عبئًا يُعيق تقدمه.

إن الكمال المطلق، الذي يبدو جذابًا من بعيد، قد يتحول عند الاقتراب منه إلى مفهوم يُهدد بطمس ملامح الفرد. والمفارقة أن السعي المستمر إليه قد يُفضي إلى مزيد من الاغتراب عن الذات، بدلًا من تحقيق التصالح معها.

لعل الإنسان لم يُخلق ليبلغ صورة نهائية ثابتة، بل ليبقى في حالة تحول دائم، يفهم فيها نفسه من خلال التغير، لا من خلال الجمود.

وفي ضوء ذلك، لا يبدو التخلّي عن وهم الكمال تراجعًا عن السعي للتطور، بل خطوة واعية نحو التوازن.
فالبحث الحقيقي لا يكون عن صورة مثالية مكتملة، بل عن الذات كما هي، في صدقها وتحوّلاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى