مقالات

” عقل المرء مخبوء بين لسانه ” للكاتبه والاعلاميه موضي بنت سليمان

تخدعنا المسافات، لا لأنها تُبعد الناس، بل لأنها تُجمّلهم. فكل غياب يفتح بابًا للتأويل، وكل بُعد يسمح للخيال أن يتدخل في صناعة الصورة. لذلك لا نرى الأشخاص كما هم، بل كما تسمح به رغباتنا أو مخاوفنا. وما يبدو كمالًا من بعيد، ليس إلا فراغًا لم يُختبر بعد، حيث لا يعود الواقع هو المصدر الوحيد للحقيقة، بل يصبح أحد احتمالاتها فقط. وكل ما يبدو مكتملًا من بعيد، ليس إلا فراغًا مُحكم الإضاءة.

لكن القرب لا يكتفي بكشف الصورة؛ إنه يُفككها. يزيل طبقات التوقع واحدة تلو الأخرى، حتى يصبح الإنسان بلا وسائط، بلا تأويل، بلا حماية من سوء الفهم أو الإفراط في التقدير. وعندها فقط يبدأ الواقع في الكلام، لا كحقيقة مطلقة، بل كصدمة باردة تُعيد ترتيب ما ظننّاه ثابتًا.

الإنسان لا يُقاس بما يظهر منه، بل بما يتبقى منه حين يُسحب منه التجميل. في لحظة استفزاز، في سؤال مفاجئ، في موقف لا يملك فيه وقتًا لصناعة صورة محسوبة، هناك فقط يتكلم جوهره. ليس لأن الكلمات تكشفه فحسب، بل لأنها تُسقط ما كان يحتمي خلفه. فالصمت قد يُضلّل، لكنه مساحة مفتوحة تُسند إليها كل التأويلات الممكنة، أما الكلام فهو أول انهيارٍ منظم لتلك التأويلات.

ولهذا لا يكون الحوار تبادلًا للآراء بقدر ما هو اصطدامٌ بين طبقات الوعي. لا يتواجه فيه الأشخاص، بل تتقاطع فيه قدرتهم على الفهم، واتساعهم لاحتمال الاختلاف، ومرونتهم أمام ما لا يشبههم. فالفارق الحقيقي ليس بين رأيٍ صحيح وآخر خاطئ، بل بين عقلٍ يتشكل أثناء النقاش، وعقلٍ يتصلّب كي لا يُعاد تشكيله.

وهنا يظهر أخطر أشكال العمى: عقلٌ لا يدخل الحوار ليتحوّل، بل ليثبت نفسه كما هي. هذا العقل لا يخسر النقاش فقط، بل يُلغي إمكانية أن يكون للنقاش معنى من الأساس. يتحول معه الحوار من مساحة اكتشاف إلى دائرة مغلقة تُستهلك فيها اللغة دون أن تُنتج وعيًا.

عند هذه النقطة، لا يكون الانسحاب هروبًا، بل شكلًا من أشكال الإدراك. لأن بعض المسافات لا تُجسر، وبعض العقول لا تلتقي مهما اقتربت المسافة بين الكلمات. ليس كل اختلاف دعوة للفهم، وليس كل نقاش يستحق أن يُستكمل. أحيانًا، يكون البقاء هو الشكل الأعمق من سوء الفهم.

وفي النهاية، الإنسان لا يُعرَف بما يدّعيه عن نفسه، بل بما يفعله حين يفقد توازنه، حين تُختبر لغته بلا استعداد، حين يتكلم دون أن يُمسك بصورة يريد حمايتها. هناك فقط، تتساقط الأقنعة دون ضجيج، لا لتكشف حقيقة واحدة، بل لتكشف حدود ما كان يمكن إخفاؤه.

فالإنسان لا يُفضح في لحظات ادعائه، بل في لحظات عجزه عن الادعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى