
“قطرة” تُعيد النبض للفكر الكشفي العربيبقلم الكاتب مبارك بن عوض الدوسري
بعد غيابٍ طال انتظاره، عاد الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية الدكتور هاني عبدالوهاب عبدالمنعم ليطل على الأسرة الكشفية العربية عبر برنامجه المرئي “قطرة”، وهي عودة أراها تمثل أكثر من مجرد ظهور إعلامي؛ لأنها عودة للعقل الكشفي الذي اعتدنا منه أن يقدم المعلومة الموثقة، ويصحح المفاهيم، ويثير الأسئلة التي تقود إلى التطوير، بعيداً عن الطرح الإنشائي أو التكرار الذي لا يضيف جديداً.
ومن يتابع مسيرة الدكتور هاني يدرك أنه لم يكن يوماً مجرد مسؤول إداري، بل كان ولا يزال أحد أبرز العقول العربية التي أسهمت في تطوير البرنامج الكشفي، وصناعة المناهج، وتأهيل القيادات، ونقل الخبرات العالمية إلى البيئة الكشفية العربية، ولذلك فإن كل ما يطرحه يستند إلى تجربة طويلة، وممارسة ميدانية، ورؤية تربوية عميقة.
وفي أولى “قطراته” بعد العودة، اختار أن يتناول قضية قد تبدو للبعض مجرد اختلاف في المصطلحات بين “البرنامج الكشفي” و”المنهاج الكشفي”، لكنها في الحقيقة قضية تربوية محورية، لأن الخلط بين المفهومين ظل سنوات طويلة يتكرر في الأدبيات الكشفية، وفي الدورات التدريبية، وحتى في الأحاديث اليومية بين القادة الكشفيين.
لقد نجح الدكتور هاني بأسلوبه السهل والمباشر في إعادة ترتيب هذا المفهوم، موضحاً أن المنهاج هو الطريق التربوي الذي تسير عليه الحركة الكشفية، بينما البرنامج الكشفي هو جميع الخبرات والأنشطة والمغامرات والمشروعات والخدمات وفرص التعلم التي يعيشها الفتية والشباب خلال رحلتهم الكشفية؛ وهذا التوضيح ليس مجرد تصحيح لغوي، بل هو تصحيح للفلسفة التي نبني عليها برامجنا، ونخطط بها لمراحلنا الكشفية، ونقيس من خلالها جودة مخرجاتنا التربوية.
ولعل من أجمل ما أشار إليه أن الحركة الكشفية ليست مؤسسة تعليم نظامي تقدم مناهج دراسية بالمعنى التقليدي، وإنما هي حركة تربوية تقدم فرصاً للتعلم من خلال الممارسة والتجربة، وهي الفكرة التي تقوم عليها الكشفية منذ أن أسسها اللورد بادن باول، حيث يتعلم الكشاف بالمشاركة، والاكتشاف، والعمل الجماعي، والخدمة، والقيادة، والمغامرة، أكثر مما يتعلم بالتلقين أو الحفظ.
ومن هنا فإن اعتماد مصطلح “البرنامج الكشفي” بوصفه المفهوم الأشمل يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الحركة الكشفية الحديثة، فالبرنامج لا يقتصر على نشاط أو مناسبة، بل يشمل منظومة متكاملة تبدأ من تحديد الاحتياجات التربوية للفئة العمرية، ثم صياغة الأهداف، وتصميم الأنشطة، وتوفير البيئة المناسبة، وتمكين القادة، وانتهاءً بتقويم الأثر الذي تركته تلك التجارب في شخصية الفتى أو الفتاة أو الشاب.
كما أن من النقاط المهمة التي توقف عندها الدكتور هاني تأكيده أن البرنامج الكشفي هو برنامج وطني واحد في كل جمعية كشفية وطنية، يمتد بخيوط متصلة من مرحلة البراعم والأشبال حتى مرحلة الجوالة، بحيث تسلم كل مرحلة ما قبلها وما بعدها أهدافاً تربوية متدرجة، تراعي النمو العمري والنفسي والاجتماعي، وتنسجم مع ثقافة المجتمع، وهوية الدولة، واحتياجات الأجيال المتعاقبة؛ وهذه النظرة التكاملية هي التي تضمن ألا تتحول الأنشطة الكشفية إلى فعاليات متفرقة، بل إلى رحلة تربوية متصلة تبني الإنسان خطوة بعد أخرى.
وفي تقديري أن أهمية هذه “القطرة” لا تكمن في المعلومات التي احتوتها فحسب، وإنما في أنها فتحت باباً واسعاً للحوار العلمي حول كثير من المفاهيم الكشفية التي تحتاج إلى إعادة قراءة، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الحركة الكشفية العالمية، وما تفرضه من تحديث مستمر للبرامج بما يواكب تطلعات الشباب، ويعزز المهارات الحياتية، والقيادة، والعمل التطوعي، والابتكار، والمواطنة، والاستدامة، والتحول الرقمي، وكلها أصبحت اليوم جزءاً أصيلاً من فلسفة البرنامج الكشفي المعاصر.
إن الساحة الكشفية العربية بحاجة ماسة إلى مثل هذه المبادرات الفكرية التي تقدم المعرفة في قالب مبسط، وتعيد الاعتبار للحوار المهني، وتثري ثقافة القادة، فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بإقامة الدورات أو إصدار الأدلة فقط، وإنما يبدأ أولاً بتوحيد المفاهيم، وبناء الفهم الصحيح، لأن الممارسة السليمة هي ثمرة للفكر السليم.
ولعل من أجمل ما في برنامج “قطرة” أنه لا يرهق المتابع بطول المدة، ولا يختصر الفكرة حتى تفقد قيمتها، بل يقدم جرعة معرفية مركزة، تفتح شهية المتلقي للبحث والقراءة والتأمل، وهي طريقة تعليمية أثبتت نجاحها في عصر أصبحت فيه الرسائل القصيرة أكثر قدرة على الوصول إلى مختلف الفئات.
وإننا، ونحن نرحب بعودة هذه الإطلالة الفكرية، نأمل أن تجد صداها لدى القيادات الكشفية في مختلف الأقطار العربية، وأن تتحول موضوعاتها إلى محاور للنقاش في اللقاءات والدورات وورش العمل، لأن الحركة الكشفية لا تتطور بكثرة الأنشطة وحدها، وإنما تتطور عندما يواكب النشاط فكرٌ تربوي واضح، ومفاهيم دقيقة، ورؤية علمية تستند إلى الخبرة والتجربة.
ختاماً، فإن “قطرة” الدكتور هاني عبدالمنعم لم تكن مجرد حديث عن مصطلح “البرنامج الكشفي”، بل كانت رسالة تؤكد أن الكشفية العربية ما زالت تمتلك من الخبرات والكفاءات ما يمكنها من قيادة حراك فكري وتربوي يليق بتاريخها ومكانتها؛ وإذا كانت كل “قطرة” تحمل هذا القدر من العمق والإثراء، فإننا بلا شك على موعد مع سلسلة معرفية ستكون مرجعاً مهماً لكل قائد كشفي، ولكل من يؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء الفكرة، وأن وضوح المفاهيم هو أول الطريق نحو جودة البرامج وتميز الممارسة الكشفية.



